إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٨ - الأصل الرابع في بيان معنى الحسن و الجمال
باستلذاذ النظر إلى الأنوار،و الأزهار و الأطيار المليحة الألوان،الحسنة النقش،المتناسبة الشكل،حتى أن الإنسان لتنفرج عنه الغموم و الهموم بالنظر إليها،لا لطلب حظوراء النظر.
فهذه الأسباب ملذة و كل لذيذ محبوب،و كل حسن و جمال فلا يخلو إدراكه عن لذة و لا أحد ينكر كون الجمال محبوبا بالطبع.فإن ثبت أن اللّه جميل كان لا محالة محبوبا عند من انكشف له جماله و جلاله،كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال»
الأصل الرابع في بيان معنى الحسن و الجمال
اعلم أن المحبوس في مضيق الخيالات و المحسوسات ربما يظن أنه لا معنى للحسن و الجمال إلا تناسب الخلقة و الشكل،و حسن اللون،و كون البياض مشربا بالحمرة،و امتداد القامة، إلى غير ذلك مما يوصف من جمال شخص الإنسان،فإن الحسن الأغلب على الخلق حسن الإبصار،و أكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص،فيظن أن ما ليس مبصرا،و لا متخيلا، و لا متشكلا،و لا متلونا مقدر،فلا يتصور حسنه،و إذا لم يتصور حسنه لم يكن في إدراكه لذة،فلم يكن محبوبا.و هذا خطأ ظاهر.فإن الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر، و لا على تناسب الخلقة و امتزاج البياض بالحمرة،فإنا نقول هذا خط حسن،و هذا صوت حسن،و هذا فرس حسن.بل نقول هذا ثوب حسن،و هذا إناء حسن.فأي معنى لحسن الصوت و الخط و سائر الأشياء إن لم يكن الحسن إلا في الصورة!و معلوم أن العين تستلذ بالنظر إلى الخط الحسن،و الأذن تستلذ استماع النغمات الحسنة الطبيبة،و ما من شيء من المدركات،إلا و هو منقسم إلى حسن،و قبيح،فما معنى الحسن الذي تشترك فيه هذه الأشياء،فلا بد من البحث عنه،و هذا البحث يطول و لا يليق بعلم المعاملة الإطناب فيه،فنصرح بالحق و نقول:كل شيء،و جماله و حسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له فإذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال و إن كان الحاضر بعضها فله من الحسن و الجمال بقدر ما حضر،فالفرس الحسن هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة و شكل،و لون،و حسن عدو،و تيسر كرّ و فرّ عليه.و الخط الحسن كل ما جمع ما يليق بالخط