إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٠ - القسم الثالث المباحات
فهذا طريق تكثير النيات،و قس به سائر الطاعات و المباحات،إذ ما من طاعة إلا و تحتمل نيات كثيرة،و إنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير،و تشمره له، و تفكره فيه،فبهذا تزكوا الأعمال،و تتضاعف الحسنات
القسم الثالث:المباحات.
و ما من شيء من المباحات إلا و يحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات،و ينال بها معالى الدرجات ،فما أعظم خسران من يغفل عنها،و يتعاطاها تعاطى البهائم المهملة عن سهو و غفلة.و لا ينبغي أن يستحقر العبد شيئا من الخطرات، و الخطوات،و اللحظات،فكل ذلك يسئل عنه يوم القيامة أنه لم فعله؟و ما الذي قصد به؟ هذا في مباح محض لا يشوبه كراهة.و لذلك قال صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«حلالها حساب و حرامها عقاب» و في حديث[٢]معاذ بن جبل،أن النبي صلى اللّٰه عليه و سلم قال«إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شيء حتى عن كحل عينيه و عن فتات الطينة بإصبعيه و عن لمسه ثوب أخيه» و في خبر آخر«من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة و ريحه أطيب من المسك و من تطيب لغير اللّٰه تعالى جاء يوم القيامة و ريحه أنتن من الجيفة» فاستعمال الطيب مباح،و لكن لا بد فيه من نية فإن قلت:فما الذي يمكن أن ينوي بالطيب و هو حظ من حظوظ النفس،و كيف يتطيب لله فاعلم أن من يتطيب مثلا يوم الجمعة،و في سائر الأوقات،يتصور أن يقصد التنعم بلذات الدنيا،أو يقصد به إظهار التفاخر بكثرة المال ليحسده الأقران، أو يقصد به رياء الخلق ليقوم له الجاه في قلوبهم و يذكر بطيب الرائحة،أو ليتودد به إلى قلوب النساء الأجنبيات إذا كان مستحلا للنظر إليهن،و لأمور أخر لا تحصى.و كل هذا يجعل التطيب معصية،فبذلك يكون أنتن من الجيفة في القيامة، إلا القصد الأول و هو التلذذ و التنعم،فإن ذلك ليس بمعصية،إلا أنه يسئل عنه.و من نوقش الحساب عذب،و من أتى شيئا من مباح الدنيا لم يعذب عليه في الآخرة،و لكن ينقص من نعيم الآخرة له بقدره،و ناهيك خسرانا بأن يستعجل ما يفنى،و يخسر زيادة نعيم لا يفنى