إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧١ - القسم الثالث المباحات
و أما[١]النيات الحسنة،فإنه ينوي به اتباع سنة رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم يوم الجمعة، و ينوي بذلك أيضا تعظيم المسجد،و احترام بيت اللّٰه،فلا يرى أن يدخله زائر اللّٰه إلا طيب الرائحة،و أن يقصد به ترويج جيرانه ليستريحوا في المسجد عند مجاورته بروائحه و أن يقصد به دفع الروائح الكريهة عن نفسه التي تؤدى إلى إيذاء مخالطيه ،و أن يقصد حسم باب الغيبة عن المغتابين إذا اغتابوه بالروائح الكريهة،فيعصون اللّٰه بسببه،فمن تعرض للغيبة و هو قادر على الاحتراز منها فهو شريك في تلك المعصية،كما قيل:
إذا ترحلت عن قوم و قد قدروا
أن لا تفارقهم فالراحلون هم
و قال اللّٰه تعالى (وَ لاٰ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَيَسُبُّوا اللّٰهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [١]) أشار به إلى أن التسبب إلى الشر شر.و أن يقصد به معالجة دماغه لتزيد به فطنته و ذكاؤه و يسهل عليه درك مهمات دينه بالفكر،فقد قال الشافعي رحمه اللّٰه:من طاب ريحه زاد عقله فهذا و أمثاله من النيات لا يعجز الفقيه عنها إذا كانت تجارة الآخرة و طلب الخير غالبة على قلبه.و إذا لم يغلب على قلبه إلا نعيم الدنيا لم تحضره هذه النيات،و إن ذكرت له لم ينبعث لها قلبه،فلا يكون معه منها إلا حديث النفس،و ليس ذلك من النية في شيء و المباحات كثيرة،و لا يمكن إحصاء النيات فيها،فقس بهذا الواحد ما عداه.و لهذا قال بعض العارفين من السلف:إنى لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلى،و شربي،و نومى،و دخولي إلى الخلاء. و كل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى اللّٰه تعالى،لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن،و فراغ القلب من مهمات البدن،فهو معين على الدين.فمن قصده من الأكل التقوى على العبادة،و من الوقاع تحصين دينه،و تطييب قلب أهله، و التوصل به إلى ولد صالح يعبد اللّٰه تعالى بعده،فتكثر به أمة محمد صلى اللّٰه
[١] الأنعام:١٠٨