الفتاوى الميسرة - الحكيم، السيد عبد الهادي - الصفحة ٢٧ - تـوطـئـة
وانتظرت أبي على المائدة الليليّة مساء اليوم..
وحين حلّ المساء بدَت عيوني متعبة ، قلقة ، منكسرة الأجفان أوّل الأمر . ثُمّ ما لبِثت أنْ أخذَت تومض ببريقٍ كالفضّة امتزج فيه الأسى بالإصرار على التحدّي .
وما أنْ انتظمت بنا المائدة ، وحضر أبي حتّى أخذ قلبي يدقّ ، وتورّدت وجنتاي ، وارتفعت درجة حرارة أُذُنَيّ كأنّ حُمّي مفاجئة اشعلَتهما ، وداهمني شعورٌ بالحرَج ، والخجَل ، والحيرة ، والارتباك ، والتردّد ، وأنا أُعيد في ذاكرتي وأردّد كلمات وجملاً توحي بالعجز عن استيعاب مادّة مقروءة .
واستنجدت بشجاعتي وبعزمي على الاعتراف بالنقص ، وقلت لأبي :
* لقد راجعت كتب الفقه فاستعصت عليّ ، وأبت أنْ تفتح لي قلبها..
وما كِدت أنهي حرفي الأخير مِن كلمتي الأخيرة ، حتّى شردَت عينا أبي ، وغارتا ـ كما يبدو ـ في مستنقع من الماضي عميق ، ثمّ عادتا بعد برهة كمَن يعود مِن سفَرٍ شاقٍ ممضّ طويل ، ودارتا حول عيني كأنّهما تريدان أنْ تقولا شيئاً ، غير أنّ شفتيه انفرجتا عن صوتٍ خافتٍ مشوبٍ بحزنٍ عميق :
ـ لقد مررْت بتجربةٍ شبيهةٍ بتجربتك ، عندما كنت في حدود