مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ٩٠ - أنواع التأويل
وهذه هي الخُصوصيّات الثلاثة المذكورة في الآية ، جاءَتْ نتيجة للظروف التاريخيّة ، وكانت سَبَباً لنزولِ هذه الآية .
ولكن بعد تجريد هذه الخصوصيّات عن الآية المَذكورة ، فلا يكون لهذه الخُصوصيّات ـ الشرك ، أهل الكتاب ، المسألة مورد السؤال ـ أيّ مَوضوعيّة ، بل إنّها تُعتبَر مُجرّد مثال .
فحينئذٍ يُمكن لنا استخراج مَفهومٍ عامٍّ من الآية ، وتطبيقه في كلّ زمان ومكان ، وهو : ( أنّ كلّ شخصٍ جاهلٍ في بعضٍ من أبْعادِ الشريعة ، يجب عليه أن يَسأل العُلماء في هذا الشأن ) أو ( يَجب على الجاهِل مُراجَعة العالِم فيما لا يَعلَم ) [٢٥٤] ، فالجَهل والعِلم هُما المِلاك في هذه الآية ، وليست المُلابَسات التاريخيّة وسَبَب نزول الآية .
فإذا وَرَدَتْ روايات تذكر بأنّ المَقصود من أهل الذكر هُم أهل البيت ، فلا يُمكن أن تُرَد هذه الأحاديث بحُجَّة مُخالَفَتِها لظاهر الآية ، ولا يعني هذا أنّ الرواية تُعتَبَر تفسيراً للآية ، بل هي من بابِ التأويل والبَطنِ ، ويُمكن انطباقها على مصاديق عديدة ، إذا كان المَفهوم العامّ المُستنبَط من الآية يشمل مثل هذه المصاديق .
هذان المَورِدان من أنواع التأويل المَقبول ، وفي غير ذلك لا يُمكن قبول الرواية بحُجَّة أنّها من البَطنِ ، إذا كانت فاقِدة للضَوابِط المَذكورة سابقاً ، أو لم تَكُن من مَصاديق الآية ، أو أنّ المَفهومَ لا ينطبق عليها .
ب - التأويل المردود
وهو التأويلُ الباطِني الّذي لا يَتَّفِق مع ظواهر الكتاب ، ولا تُوجد قَرينة على هذا الصَرفِ ، لا من بعيد ولا من قريب ، وبالتالي فهو تحميلٌ للقرآنِ تَبَعاً للمُيولِ والأهواء الزائِغة .
فهو من التفسير بالرأي ، ويشمل نماذِج كثيرة من تأويلاتِ الفِرق الباطنيّة وغُلاة الصوفيّة ، قال أبو حامد الغَزالي في تأويلاتِهم للظواهر : ( والقول الوَجيز فيه أنّهم لمّا عَجزوا عن صَرفِ الخَلقِ عن القرآنِ والسُنّة ، صَرفوهم عن المُرادِ بهما إلى