مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٥٨ - المَبحث السادس الاستدلال على هذه القاعِدة
وطبقاً لهاتين المُسلَّمتين ، فإذا ما ورد حديث يُخالِف العلم القطعي ، فهذا يعني عدم صدوره من المعصوم .
ولم يختلف علماء المسلمين في المسألة الأُولى ، وإنّما حدث الاختلاف في المسألة الثانية وذلك ؛ لأنّ الاعتقاد بعصمة الأنبياء أو عدم عصمتهم ، وإمكانيّة تَعبُّدهم بالاجتهاد أو المَنْع من ذلك ، له مَدخليّة في الموقف من الروايات المُخالِفة للعلوم القطعيّة .
وكذلك بالنسبة إلى تقسيم السُنّة إلى تشريعيّة وغير تشريعيّة ـ كما يعتقد بعض الأصوليّين ـ ؛ لأنّ الحُكم على بعض أنواع السُنّة بأنّها ليست وارِدة في مجال التشريع ، وأنّها غير معصومة من الخَطأ ، ولم تصدر من مَعين الوحي ، يختلف عن موقف الّذي يُنْكِر هذا التقسيم ويعتقد بأنّ السُنّة كلّها تشريع .
وفيما يلي نُشير إلى هذين البحثين ، بما لَهنّ من ارتباط بموضوع البحث :
أ - اجتهاد الرسول (صلى الله عليه وآله) فيما لا نصّ فيه :
اختلف الأصوليّون في جواز أو عدم جواز الاجتهاد من الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى أربعة آراء :
١ - المَنع من الاجتهاد مُطلَقاً ، سواء كان في أمور الدِّين أم أمور الدنيا .
٢ - جواز الاجتهاد مُطلَقاً ، في أمور الدِّين والدنيا .
٣ - جواز ذلك في الأمور الدنيويّة ، كالأمور الحربيّة ، دون الأحكام الشرعيّة .
٤ - التوقّف ؛ لتعارض الأدلّة (٥٠٠) .
ثُمّ اختلفوا في جواز الخطأ من الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فأصحاب الرأي الأوّل اتّفقوا على عدم جواز الخطأ ؛ إذ لا اجتهاد .
والطائفة الأُخرى انقسمتْ بدورها إلى قِسمين ، فالمُصَوِّبَة يمنعون من جواز الخطأ عليهم ، والمُخَطِّئَة منهم مَن قالوا بجواز الخطأ على الأنبياء ، ومنهم مَن منع ذلك (٥٠١) .
فإذا ما ورد حديث من الأحاديث مُخالفاً للعلم القَطعي ، مُخالَفةً من جميع الجِهات ، ولا يُمكن تأويله تأويلاً قريباً يَتَّفِق مع أساليب اللغة ، فهذا يعني عدم صدوره من المعصوم ، على رأي الّذين يعتقدون بعصمة الأنبياء (عليهم السلام) .