مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١٣٢ - المبحث الثالث علاقة العَقْلِ مع العلوم النَظريَّة
ورغم أنّ هذه المسألة من المَسائل الّتي اتّفقتْ عليها أكثريّة المَذاهب الإسلاميّة ، ولكن اختلفوا في تطبيق ذلك على المَصاديق ، فالّذين يَنفُون رُؤية الباري ، يقولون باستحالة الرُؤية عقلاً ؛ لأنّ ذلك يَقتضي وجود الجهة والغير ، ومُخالِفوهم يقولون إنّ العَقل يُجوِّز ذلك ولا يُحِيله .
وقال بعض العلماء في توجيه إمكان الرُؤية في الآخرة ، بأنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا .
وقد رُدَّ ذلك بأنّ القضايا البَديهيّة لا تَتَبَدّل في الآخرة إلى نقيضِها (٤١١) .
ومن هنا فإنّ هناك اختلافاً في هذه المَباني ، فبعض الأحاديث قد يَعتبرها البعض مُخالِفة لبَديهيَّات العقول ، بَينما يعتبرها آخرون من الأمور الجائزة عقلاً ، وجاء بها القرآن ، كما سيأتي فيما بعد في أحاديث رؤية الله وغيرها .
المبحث الثالث : علاقة العَقْلِ مع العلوم النَظريَّة
لقد اتَّفق العلماء كافّة ، على عدم وجود التعارض بين الحُكم الشرعي والعقل إذا كانا قطعيَّين ، وقد استخرجوا من ذلك قاعدة ، وهي : إنّ النقل الصحيح لا يأتي مُخالِفاً للعَقل الصريح .
قال الشيخ الأنصاري مُستغرِباً وجود التناقض بين أحكام العَقل والنَقْلِ ـ إذا كانا قطعيّين ـ : ( وكذا لو فُرضَ حصول القَطعِ من الدليل النَقلي ، كيف يُجوّز حُكم العقل بخلافه على وجهِ القَطع ) (٤١٢) .
وقال الغزالي : ( ودليل العقل لا يجوز أن يُقابِل النُطْق الصريح من الشارع ؛ لأنّ الأدلّة لا تَتَعارَض ) (٤١٣) .
ودليل عدم المُعارَضة في نفس الأمر ؛ لأنّ كلَيهما يَخرجان من مِشكاةٍ واحدة ، فالشَرع حُجّة من الخارج ، والعقل حُجّة من الداخل كما وَرَدَ في الروايات .
ولهذا ، فسوف تكون علاقة العقل مع الشَرع على ثلاثة أقسام :