مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١١٩ - المبحث الثاني التاريخ بين الظنِّ واليَقين
الراوي الأصلي الّذي سمع الخبر من المصدر الأصلي .
قال الطَبري في مقدّمة تاريخه : ( فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرته عن بعض الماضين مّما يستنكره قارئه ، أو يَستَبشِعه سامِعه ؛ من أجل أنّه لم يُعرَف له وجهاً من الصحّة ولا معنى من الحقيقة ، فليُعلَم أنّه لم يأت في ذلك من قِبَلِنا ، وإنّما أُوتي من قِبل بعض ناقليه إلينا ، وإنّا إنّما أدّينا ذلك على نحو ما أُدّى إلينا ) (٣٦١) .
فهو يعترف أنّ تاريخه يتضمّن من الحوادث المُستَبشَعة في نظر العقل ، ويستنكرها الذَوق السليم ، وأنّه إنّما روى ذلك كما سَمِعَه .
وقد نَقَدَ ابن خلدون ( ت ٨٠٨ هـ ) مَنهج المُؤرِّخين في نقل الأخبار ، فقال : ( ولم يُلاحِظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يُراعوها ، ولا رفضوا تُرَّهات الأحاديث ولا دفعوها ، فالتحقيق قليل ، وطُرق التنقيح في الغالب كلَيل ، والغَلَط والوَهم نَسيب للأخبار وخليل ) (٣٦٢) .
ثُمَّ دعا إلى مَنهج جديد في نقد الروايات التاريخيّة ، سَمَّاه ( عِلم العمران ) ، فقال : ( لأنّ الأخبار إذا اعتُمِدَ فيها على النقل ، ولم تُحكّم أُصول العادَة وقواعد السياسة ، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ، ولا قِيس الغائِب منها بالشاهِد ، والحاضِر بالذاهب ، فرُبّما لم يُؤمَن فيها من العثور ومَزلَّة القدم ، والحَيد عن جادّة الصِدق )(٣٦٣) .
فكيف ـ والحال هذه ـ يمكن أن يكون التاريخ مِقياساً في رَدِّ الأخبار ؟
وكيف نحصل على القطع في النقل التاريخي ، وهو لا يرقى إلى رُتبَة روايات الآحاد في إفادَة الظنّ ؟
في هذا الجواب على هذا السؤال نقول : إنّه لا مَطمَع لنا في الحصول على الحقيقة التاريخيّة المُطلَقة ، وكلّ ما نستطيع الحصول عليه من التاريخ ـ بعد النقد والتَمحيص ـ هو الحقيقة النِسبيَّة .
قال أحد الباحثين في هذا المجال : ( وينبغي علينا أن نُلاحِظ أنّه ليس المقصود بالحقيقة التاريخيّة الوصول إلى الحقيقة المُطلَقة ؛ إذ أنّ هذا الأمر غير مُستطاع لعَوامِل مُختلِفة ، مثل ضياع الأدلّة وانطماس الآثار . . .
فالحقيقة الّتي يصل إليها المُؤرِّخ هي حقيقة صحيحة نسبيّاً ، وكلّما زادتْ نِسبة الصدق فيها اقترب التاريخ من