مباني نقد متن الحديث - البيضاني، قاسم - الصفحة ١١٨ - المبحث الثاني التاريخ بين الظنِّ واليَقين
الحديث ، ويرجع ذلك إلى اعتباره قَرينَة قَطعيَّة على كذب الخبر وترجيح القَطع والاطمئنان على الظنِّ .
وقد استخدم القرآن الكريم هذا المقياس في ردِّ بعض المسائل والدعاوي الكاذبة ، فقد وَرَدَ في الروايات أنّ علماء اليهود والنصارى جاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، وأخذوا يُجادلونه في إبراهيم (عليه السلام) ، فقالت اليهود : إنّه كان يهوديّاً ، وادّعى النصارى مثل هذا الادعاء ، فنزلتْ الآية : ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٣٥٨) لتبين كذب هذه الادعاءات (٣٥٩) ، فقال تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (٣٦٠) .
وهذا في الحقيقة استناد إلى التاريخ في كذبِ هذه الدعوة ، فقد كانت رسالة إبراهيم سابقة على رسالة موسى وعيسى ، فكيف يُدين نَبيّ سابق بدِينٍ لاحِق ؟!
ملاحظة :
يَفترِق هذا المِعيار عن المِعيار السابق ( السُنّة ) ، فالتاريخ له ماهيّة خاصّة يختلف عن السُنّة ؛ لأنّه أعمّ من السُنّة بالمَعنى المنطقي ؛ وذلك لأنّ السُنّة هي قول وفعل وتقرير المعصوم (عليه السلام) ، في حين أنّ التاريخ يشمل السُنّة وغيرها من الوقائع الّتي يُمكن أن تُشكِّل قرينة على كذبِ الخبر .
المبحث الثاني : التاريخ بين الظنِّ واليَقين
تأثَّر منهج المُؤرِّخين في نقل الحوادث التاريخيّة بمَنهجِ المُحدِّثين في بادئ الأمر ، فكانوا يذكرون الروايات التاريخيّة مُسنَدة كما هو الحال في تاريخ الطبري ( ت ٣١٠ هـ ) ، وكانت مُهمّة المُؤرّخ تنحصر في النقل الصادق للخبر ، والتأدية له كما سمع دون إعْمَال النَقْد ، وكان يعتقد أنّ التَبِعة لا تقع عليه في هذه الحالة ، إنّما تقع على