المهدي المنتظر عند الشيعة الإثنى عشرية - دودو ابو العيد - الصفحة ١١٥ - الوضع السياسي في فترة الغيبة الصغرى
كان العباسيون يأملون أن يصلوا إلى تقوية حكمه عن طريق هذه «الأحاديث» و أمثالها الموضوعة حسب الطلب، و لكنها كان ينقصها على العموم الخط السياسي الموحد. فالمأمون، ابن لخليفة الشهير هارون الرشيد، و العدو الأكبر للعلويين، كان هو نفسه على النقيض من أبيه.
كان المأمون يحترم فضائل علي النبيلة، التي فاق بها أبا بكر و عمر.
و هناك خليفة آخر، و هو المستنصر، كان على النقيض تماما من أبيه المتوكل. لقد منع هذا من زيارة قبل الحسين و أمر بهدمه. و كان يسمع في مجالس الشراب الأهاجي و الأغاني الساخرة من علي، و لكن ابنه ألغى المحرمات كلها بعد وفاته أبيه و أعاد بناء ما هدم من المزارات و سمح للعلويين بتقلد المناصب و نيل الرتب [٣٠] . و لم يكتف الخليفة المعتضد (٢٧٩-٢٨٩/٨٩٢-٩٠٢) في أيام الغيبة الصغرى بحماية العلويين، و إنما ألف هو نفسه كتابا يلعن فيه عدو العلويين معاوية و طلب من جميع رعاياه قراءته [٣١] ، و من الممكن ذكر أمثلة مماثلة.
كان تنظيم الشيعة في وقت المحن بالذات أكثر تماسكا مما كان عليه في أوقات نيلهم حرية الحركة. ففي زمن المنصور، عند ما كان الاضطهاد على أشده، كان جعفر الصادق أول من أرسل الرسل و الوكلاء لنشر الشيعة في المناطق البعيدة من بلاد الخلافة [٣٢] . و قام الشيعة، مناهضة لسياسة الجوسسة عند المنصور، ببناء نظامهم الآن على فكرة «التقية» حسب خطة حكيمة بثقة و أمان. و هناك روايات كثيرة عن التقية تعود إلى هذه الفترة و تنسب إلى جعفر الصادق [٣٣] . و كان المنصور قد ترك مقر إقامته في الكوفة و انتقل إلى بغداد ليبتعد عن أرض الشيعة. و لكنه لم يستطع تصفية قصره، الذي كان يغلب عليه أهل الشيعة. كان يقطين،
[٣٠] ابن الأثير ٧/١٩ و ما بعدها.
[٣١] نفسه، ٧/١٥٩، أبو الفداء، ٢/٢٦٨.
[٣٢] كاشف الغطاء، ٢٨ محرم ١٣٥٦.
[٣٣] الكافي ٢١٩، ٤١٨.