المغازي - الواقدي - الصفحة ١١٠٣ - حجّة الوداع
(١)
خطبة النبي ( صلّى اللّه عليه و سلم )بعرفة قبل الصلاتين
و كان من خطبته يومئذ: أيّها الناس، إنّى و اللّه ما أدرى لعلّى لا ألقاكم بمكاني هذا بعد يومكم هذا! رحم اللّه امرءا سمع مقالتي فوعاها، فربّ حامل فقه لا فقه له، و ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه! و اعلموا أنّ أموالكم و دماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا! و اعلموا أنّ الصّدور لا تغلّ [١] على ثلاث: إخلاص العمل للّه، و مناصحة أهل الأمر، و لزوم جماعة المسلمين، فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم! ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمىّ موضوع، و أوّل دماء الجاهليّة أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث- كان مسترضعا فى بنى سعد، فقتلته هذيل- و ربا الجاهليّة موضوع كلّه، و أوّل ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطّلب. اتّقوا اللّه فى النساء، فإنما أخذتموهنّ بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه، و إنّ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، و لهنّ عليكم رزقهنّ و كسوتهنّ بالمعروف، قد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به- كتاب اللّه تبارك و تعالى! و أنتم مسؤولون عنّى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أن قد بلّغت و أدّيت و نصحت! ثم قال، بإصبعه السّبّابة إلى السماء، يرفعها و يكبّها ثلاثا: اللّهمّ، و اشهد!
قال: فحدّثنى محمّد بن عبد اللّه، عن عمّه الزّهرىّ، عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن، عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه، أن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )وقف بالهضاب من عرفة فقال: كلّ عرفة موقف إلّا بطن عرنة،
____________
[١] هو من الإغلال: الخيانة فى كل شيء، انظر النهاية. (ج ٣، ص ١٦٨).