المغازي - الواقدي - الصفحة ١٠٥٠ - غزوة أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل فى رجب سنة تسع، و هي على عشرة أميال من المدينة
(١) و الأسقام، فيرحمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فيقبل منهم علانيتهم و أيمانهم، و حلفوا فصدّقهم و استغفر لهم، و يكل سرائرهم إلى باللّه عزّ و جلّ.
قالوا: و قال كعب بن مالك: فجئت النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )و هو جالس فى المسجد، فسلّمت عليه، فلمّا سلّمت عليه تبسّم تبسّم المغضب، ثم قال لى: تعالى! فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لى: ما خلّفك؟
أ لم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول اللّه، لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنّى سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، و لكن و اللّه لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديثا كاذبا لترضى عنّى ليوشكنّ اللّه عزّ و جلّ أن يسخط علىّ، و لئن حدّثتك اليوم حديثا صادقا تجد [١] علىّ فيه، إنّى لأرجو عقبى اللّه فيه. و لا و اللّه ما كان لى عذر، و اللّه ما كنت أقوى و لا أيسر منّى حين تخلّفت عنك! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:
أمّا أنت فقد صدقت، فقم حتى يقضى اللّه عزّ و جلّ فيك!
فقمت و قام معى رجال من بنى سلمة، فقالوا لى: و اللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا! و قد عجزت ألّا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بما اعتذر إليه المخلّفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )لك. فو اللّه ما زالوا بى ينوبوننى حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فأكذب نفسي. فلقيت معاذ بن جبل و أبا قتادة فقالا لى:
لا تطع أصحابك و أقم على الصّدق، فإنّ اللّه سيجعل لك فرجا مخرجا إن شاء اللّه! فأمّا هؤلاء المعذّرون، فإن يكونوا صادقين فسيرضى اللّه ذلك و يعلمه نبيّه، و إن كانوا على غير ذلك يذمّهم أقبح الذمّ و يكذّب حديثهم.
فقلت لهم: هل لقى هذا غيرى؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل مقالتك،
[١] تجد: أى تغضب. (النهاية، ج ٤، ص ١٩٦).