المغازي - الواقدي - الصفحة ١٠١٤ - غزوة تبوك
(١)
قرأ قرآنا كثيرا، و الناس يتجهّزون إلى تبوك. و كان رجلا صيّتا، فكان يقوم فى المسجد فيرفع صوته بالقراءة، فقال عمر: يا رسول اللّه، أ لا تسمع إلى هذا الأعرابىّ يرفع صوته بالقرآن حتى قد منع الناس القراءة؟ فقال النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم: دعه، يا عمر! فإنّه خرج مهاجرا إلى اللّه و رسوله. قال: فلمّا خرجوا إلى تبوك قال: يا رسول اللّه، ادع اللّه لى بالشهادة.
قال: أبلغنى لحاء [١] سمرة. فأبلغه لحاء سمرة، فربطها رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )على عضده و قال: اللّهمّ إنّى أحرّم دمه على الكفّار! فقال:
يا رسول اللّه، ليس أردت هذا. قال النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم: إنّك إذا خرجت غازيا فى سبيل اللّه فأخذتك الحمّى فقتلتك فأنت شهيد، و وقصتك دابّتك فأنت شهيد، لا تبال [٢] بأيّة كان. فلمّا نزلوا تبوكا فأقاموا بها أيّاما توفّى عبد اللّه ذو البجادين. فكان بلال بن الحارث يقول: حضرت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و مع بلال المؤذّن شعلة من نار عند القبر واقفا بها، و إذا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فى القبر، و إذا أبو بكر و عمر رضى اللّه عنهما يدلّيانه إلى النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )و هو يقول: أدنيا إلىّ أخاكما! فلمّا هيّآه لشقه قال: اللّهمّ إنّى قد أمسيت عنه راضيا فارض عنه. قال: فقال عبد اللّه بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب اللّحد! و قالوا: أتينا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فى مسيره و هو مردف سهيل ابن بيضاء خلفه، فقال سهيل: و رفع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )صوته فقال: يا سهيل! كلّ ذلك يقول سهيل: يا لبّيك! ثلاث مرات، حتى عرف النّاس أنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يريدهم، فانثنى عليه
[١] الحاء: قشر الشجر. (الصحاح، ص ٢٤٨٠).
[٢] فى الأصل: «لا تبالي».