المغازي - الواقدي - الصفحة ١١١٧
(١)
غزوة أسامة بن زيد مؤتة
قالوا: لم يزل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يذكر مقتل زيد بن حارثة و جعفر و أصحابه، و وجد عليهم وجدا شديدا، فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )الناس بالتّهيّؤ لغزو الروم، و أمرهم بالانكماش [١] فى غزوهم. فتفرّق المسلمون من عند رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و هم مجدّون فى الجهاد، فلما أصبح رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )من الغد، يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر، دعا أسامة بن زيد فقال: يا أسامة، سر على اسم اللّه و بركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك على هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبنى و حرّق عليهم، و أسرع السّير تسبق الخبر، فإن أظفرك اللّه فأقلل اللبث فيهم، و خذ معك الأدلّاء، و قدّم العيون أمامك و الطّلائع. فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، بدى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فصدّع و حمّ. فلمّا أصبح يوم الخميس لليلة بقيت من صفر عقد له رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بيده لواء، ثم قال: يا أسامة، اغز بسم اللّه فى سبيل اللّه، فقاتلوا من كفر باللّه، اغزوا و لا تغدروا، و لا تقتلوا وليدا و لا امرأة، و لا تمنّوا لقاء العدوّ، فإنكم لا تدرون لعلّكم تبتلون بهم، و لكن قولوا: اللّهمّ، اكفناهم، و اكفف بأسهم عنّا! فإن لقوكم قد أجلبوا و صيّحوا، فعليكم بالسّكينة و الصّمت، و لا تنازعوا و لا تفشلوا فتذهب [٢] ريحكم. و قولوا: اللّهم، نحن عبادك و هم
____________
[١] الانكماش: الإسراع. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٨٧).
[٢] فى الأصل: «فيذهب». و انظر سورة ٨ الأنفال ٤٦.