المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٧٠ - قدوم عروة بن مسعود
(١) فعرض علينا أمورا شديدة أعظمناها، فتركناها عليه، حرّم علينا الزّنا، و الخمر، و الرّبا، و أن نهدم الرّبّة. فقالت ثقيف: لا نفعل هذا أبدا. فقال الوفد:
لعمري قد كرهنا ذلك و أعظمناه، و رأينا أنّه لم ينصفنا، فأصلحوا سلاحكم، و رمّوا حصنكم، و انصبوا العرّادات عليه و المنجنيق، و أدخلوا طعام سنة أو سنتين فى حصنكم، لا يحاصركم أكثر من سنتين، و احفروا خندقا من وراء حصنكم، و عاجلوا ذلك فإنّ أمره قد ظلّ لا نأمنه.
فمكثوا بذلك يوما أو يومين يريدون القتال، ثم أدخل اللّه تبارك و تعالى فى قلوبهم الرّعب فقالوا: ما لنا به طاقة، قد أداخ العرب كلّها، فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل و صالحوه، و اكتبوا بينكم و بينه كتابا قبل أن يسير إلينا و يبعث الجيوش. فلمّا رأى الوفد أن قد سلّموا بالقضيّة، و رعبوا من النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و رغبوا فى الإسلام، و اختاروا الأمن على الخوف، قال الوفد: فإنّا قد قاضيناه، و أعطانا ما أحببناه، و شرط لنا ما أردنا، و وجدناه أتقى الناس، و أبرّ الناس، و أوصل الناس، و أوفى الناس، و أصدق الناس، و أرحم الناس، و قد تركنا من هدم الرّبّة و أبينا أن نهدمها، و قال: «أبعث من يهدمها»، و هو يبعث من يهدمها. قال:
يقول شيخ من ثقيف قد بقي فى قلبه من الشّرك بعد بقيّة: فذاك و اللّه مصداق ما بيننا و بينه، إن قدر على هدمها فهو محقّ و نحن مبطلون، و إن امتنعت ففي النفس من هذا بعد شيء! فقال عثمان بن العاص:
منّتك نفسك الباطل و غرّتك الغرور! و ما الرّبّة؟ و ما تدرى الرّبّة من عبدها و من لم يعبدها؟ كما كانت العزّى ما تدرى من عبدها و من لم يعبدها، جاءها خالد بن الوليد وحده فهدمها، و كذلك إساف، و نائلة، و هبل، و مناة، خرج إليها رجل واحد فهدمها، و سواع، خرج إليه رجل