المغازي - الواقدي - الصفحة ١٠٥٢ - غزوة أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل فى رجب سنة تسع، و هي على عشرة أميال من المدينة
(١) فإذا فى كتابه: أمّا بعد، فقد بلغني أنّ صاحبك قد جفاك و لم يجعلك اللّه بدار هوان و لا مضيعة، فالحق بنا نواسك [١]. قال كعب: فقلت حين قرأته: و هذا من البلاء أيضا، قد بلغ منّى ما وقعت فيه أن طمع فىّ رجال من أهل الشرك. فذهبت بها إلى تنوّر فسجرته [٢] بها، و أقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يأتينى فقال: إنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت:
أطلّقها أم ما ذا؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربها. و كان الرسول إلىّ، و إلى هلال بن أميّة، و مرارة بن الرّبيع، خزيمة بن ثابت. قال كعب: فقلت لامرأتى: الحقي بأهلك، فكونى عندهم حتى يقضى اللّه فى هذا الأمر ما هو قاض. و
أما هلال بن أميّة فكان رجلا صالحا، فبكى حتى إن كان يرى أنّه هالك من البكاء، و امتنع من الطعام، فإن كان يواصل اليومين و لثلاثة من الصوم ما يذوق طعاما، إلّا أن يشرب الشّربة من الماء أو من اللّبن، و يصلّى الليل و يجلس فى بيته لا يخرج، لأن أحدا لا يكلّمه، حتى إن كان الولدان ليهجرونه لطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. فجاءت امرأته إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فقالت: يا رسول اللّه، إنّ هلال بن أميّة شيخ كبير ضائع، لا خادم له، و أنا أرفق به من غيرى، فإن رأيت أن تدعني أن أخدمه فعلت. قال: نعم، و لكن لا تدعيه يصل إليك.
فقالت:
يا رسول اللّه، ما به من حركة إلىّ! و اللّه، ما زال يبكى منذ يوم كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، و إنّ لحيته لتقطر دموعا الليل و النهار، و لقد ظهر البياض على عينيه حتى تخّوفت أن يذهب بصره. قال كعب: فقال
[١] فى الأصل: «نواسيك».
[٢] سجرته: أى أهلبت التنور بها، يعنى أنه حرقها. (شرح أبى ذر، ص ٤٢٦).