المغازي - الواقدي - الصفحة ١٠١٣ - غزوة تبوك
(١) النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )فيه وجهه و يديه، ثم أعاده فيها، فجاءت العين بماء كثير فاستقى الناس. ثم قال النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا!
قالوا: و كان عبد اللّه ذو البجادين [١] من مزينة، و كان يتيما لا مال له، قد مات أبوه فلم يورثه شيئا، و كان عمّه ميّلا [٢]، فأخذه و كفله حتى كان قد أيسر، فكانت له إبل و غنم و رقيق، فلمّا قدم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام، و لا يقدر عليه من عمّه، حتى مضت السنون و المشاهد كلّها.
فانصرف رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )من فتح مكّة راجعا إلى المدينة، فقال عبد اللّه لعمّه: يا عمّ، قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمّدا، فائذن لى فى الإسلام! فقال: و اللّه، لئن اتّبعت محمّدا لا أترك بيدك شيئا كنت أعطيتكه إلّا نزعته منك حتى ثوبيك. فقال عبد العزّى، و هو يومئذ اسمه: و أنا و اللّه متّبع محمّدا و مسلم، و تارك عبادة الحجر و الوثن، و هذا ما بيدي فخذه! فأخذ كلّ ما أعطاه، حتى جرّده من إزاره، فأتى أمّه فقطعت بجادا لها باثنين فائتزر بواحد و ارتدى بالآخر، ثم أقبل إلى المدينة و كان بورقان- جبل من حمى المدينة- فاضطجع فى المسجد فى السّحر، ثم صلّى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )الصبح، و كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يتصفّح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر إليه فأنكره، فقال: من أنت؟ فانتسب له، فقال: أنت عبد اللّه ذو البجادين! ثم قال: انزل منّى قريبا. فكان يكون فى أضيافه و يعلّمه القرآن، حتى
[١] البجاد: الكساء الغليظ الجافي، كما ذكر ابن هشام. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٧٢).
[٢] أى ذا مال. (لسان العرب، ج ١٤، ص ١٥٩).