الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣١٠ - البداية و النهاية و البدء هو الغاية
الحركة أول ما خلق اللّه النفس الرحماني [١] و العقل الكلي، فإنّ منه الحركة
قمعروضه، و هو باطل قطعا.
و على ذلك يبتني برهان حدوث العالم متغير، و كل متغير حادث، فلو كان تغير الصفات لا يستلزم تغير الذات لم يتم هذا البرهان كما هو ظاهر.
و عليه فلا ريب أن كل شخص يتحرك في أعراضه و أوصافه فهو إذا متحرك بجوهره و ذاته، و لكن على نحو الاتصال، و كل مرتبة لاحقة واجدة لما قبلها من المراتب حتى تصل إلى غايتها صاعدة و راجعة، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء و إليه ترجعون. (منه دام ظله) .
[١] -قد تكرر في عبارات هذا السفر الجليل، كما في عبائر كثير من الحكماء و العرفاء، خاصة في كتب صدر المتألهين قدّس سرّه التعبير عن أول ما خلق اللّه تعالى، تارة «بالنفس الرحماني» ، و أخرى بـ «الحق المخلوق به» ، و ثالثة بـ «الرحمة التي وسعت كل شيء » ، أما الأول فالمشهور أنه بفتح حرف الفاء، و النفس عبارة عن الهواء الذي يدخل من الفم و الأنف حال التنفس في الرئتين، و يخرج منهما إلى الخارج، و هذا الهواء النقي ضروري لاستمرار حياة الإنسان الحي، بل لكل حي ذي الرئة بإصلاح الدم الفاسد بواسطة الرئتين في حركتي الشهيق و الزفير، و إحالته إلى دم أحمر شرياني بعد أن كان أسود وريديا.
و هذا الهواء الداخل و الخارج باعتماده على المخارج يصير حروفا مختلفة بالنوع، و ذلك الهواء بمنزلة الوجود و انبساطه، و المخارج بمنزلة الماهيات الممكنة، و الحروف المختلفة بمنزلة مراتب الماهيات المختلفة المتكثرة، و النفس بمنزلة حقيقة الوجود الصرف، و البحث البسيط و غيب الغيوب، و لذا قال بعض الأكابر من أساتذة الحكمة و العرفان في مقام التمثيل: «النفس الرحماني كالنفس الإنساني، و نسبة الماهيات الممكنة إلى النفس الرحماني كنسبة الحروف و الكلمات إلى النفس الإنساني، فكما أنّ الحروف و الكلمات عين النفس الإنساني في الخارج و متحدة معه و متحصلة به، فكذلك الماهيات عين النفس الرحماني و متحدة معه، و متحصلة به» ، قُلْ لَوْ كََانَ اَلْبَحْرُ مِدََاداً لِكَلِمََاتِ رَبِّي لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمََاتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنََا بِمِثْلِهِ مَدَداً ، و الغرض من هذه الكلمات إثبات المثال له تعالى، لا إثبات المثل له، فإنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ، كما في التنزيل المجيد.
و احتمل بعض أساتذتنا-دام بقاه-أنّ التعبير بالنفس الرحماني لعله اقتباس من قوله تعالى: