الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٧٨ - المعاد الجسماني
المستدل: أنه ممكن، و أخبر به الصادق الأمين؛ لاندفاعه عنده بما أشرنا إليه قريبا، فلا بد حينئذ من رفع هذه الدعوى-أعني دعوى الاستحالة و الامتناع- و إثبات أنه ممكن عقلا، بل واقع، فاللازم إثبات إمكانه الذاتي، و إمكانه الوقوعي؛ إبقاء للأدلة الشرعية على ظواهرها، و قطع أيدي التأويل عن منيع مقامها.
و حيث إنّ الحاجة إلى النظر في هذه القضية لا بد أن يكون من غير الظواهر النقلية، بل من المبادئ العقلية، فاعلم أولا أنّ الأقوال في المعاد أربعة:
أحدها: إنكاره مطلقا، لا جسما و لا روحا، و هو قول جميع الملاحدة و الطبيعيين الذين ينكرون المبدأ، فكيف المعاد؟و هما متلازمان في المفاد، و بينهما أقوى مراتب الاتحاد، و إثبات المبدأ يكفي في إبطال هذا القول. راجع الجزء الأول من «الدين و الإسلام» تجد فيه لإثبات الصانع ما يغنيك عن غيره، بأجلى بيان، و أقوى برهان.
ثانيها: إثبات المعاد الروحاني فقط؛ نظرا إلى أنّ الأرواح مجرّدة و المجرد باق، و الجسم مركب من عناصر شتى، و إذا فارقته الروح و دخلت في عالم المفارقات انحل هذا المركب و لحق كل عنصر بأصله، و انعدم و تلاشى ذلك المركب، و انعدمت تلك الصورة، و المعدوم يستحيل عوده، و الروح باقية، و هي التي تعاد للحساب و إنجاز عملية الثواب و العقاب، و لعل إلى هذا الرأي المثالي أو الخيالي يشير المعلم الثاني أبو نصر الفارابي قدّس سرّه [١] في أرجوزته التي يقول
[١] -محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي، و يعرف بالمعلم الثاني، من أكبر حكماء المسلمين و فلاسفتهم المشاهير، و هو تركي الأصل مستعرب، ولد في فاراب (٢٦٠ هـ) ،