الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٢٤ - الزكاة و الاشتراكية الصحيحة
المرابين، و عظيم جشعهم، و حرصهم على جمع المال و ادخاره و توفيره، فهو كالذي فيه مس من الجنون يذهب و يجيء و يقوم و يقعد و يأخذ و يعطي، فهو في حركة دائبة، و عمل متواصل لا يقرّ له قرار، و لا يستريح من التفكير و التوفير و الادخار في ليل و لا نهار، و إذا اعترضه معترض قال مبررا عمله: إنما البيع مثل الربا، و البيع حلال، فالربا مثله، و هو قياس فاسد، و يعرف فساده من القاعدة الشرعية المباركة «الغنم بالغرم» [١] ، فكل معاملة فيها غنم بلا غرم فهي أكل مال
قالضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون، و اَلْمَسِّ الجنون، و هذا أيضا من زعماتهم و أن الجنّي يمسه فيختلط عقله، و لهم في الجن قصص و أخبار و عجائب، و إنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات، هذا مختصر ما قاله الزمخشري في الكشاف.
القاضي الطباطبائي
[١] -و قد شرح سماحة شيخنا الإمام-متعنا اللّه تعالى بطول بقائه-هذه القاعدة الشريفة في كتابه القيم «تحرير الجملة» : ج ١/ص ٥٥-٥٦، في مادة ٨٥-٨٧، و أدى حقها في التحقيق و التنقيب، و من أراد أن يطلع عليها و يفهم المراد منها فعليه أن يراجع ذلك السفر الجليل الذي جادت به براعته منذ سنين، و هو من جلائل الكتب الممتعة، و من نفائس الآثار المترشحة من قلم سماحته، و فيه تستبين الموازين العلمية بين فقه سائر المذاهب الإسلامية و فقه المذهب الجعفري، و ما فيه من غزارة المادة، وسعة الينبوع، و كثرة الفروع، و قوة المدارك، و تشعب المسالك، و رصانة المباني، و سمو المعاني، و مطابقة العقل و العرف، و غير ذلك من المزايا العالية و الخصائص الكامنة فيه.
و كيف لا يكون هذا الفقه جامعا لهذه الأوصاف مع أنه مأخوذ من أهل البيت النبوي، و من الأئمة الطاهرين عليهم السّلام، خزان علم اللّه، و حفظة وحيه، و تراجمة كلامه، و علومهم مقتبسة من مشكاة النبوة، و هم أعرف بفقه شريعة جدهم من غيرهم، كأبي حنيفة الفارسي (*) و أمثاله.
فدع عنك الجنايات الصادرة من أقلام ابن خلدون البربري المغربي و نظرائه، الذي عاش في أقصى المغرب و لم يطلع على مزايا الفقه الجعفري حتى تفوه في حقه بزخرف القول