الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٥
قو غير خفي على القارئ الكريم أني لا أريد بكلمتي هذه أن أحوم حول تأريخ النجف الأشرف و جامعتها و مزاياها و شئونها الاجتماعية، و تطورات أوضاعها التاريخية، و آثارها العلمية الغابرة منها و الحاضرة، و أثرها العميق و وقعها العظيم، و تأثيرها المعجب في العالم الإسلامي و المجتمع المذهبي، و شرح آثارها الخالدة و ثروتها العلمية و مكانتها السامية في قلوب المسلمين عموما و الشيعة خصوصا، فإنّ التجوال في هذا المجال يحتاج إلى تأليف كتاب مستقل، و ترصيف تصنيف منيف، و إنما الغرض هو الإشارة بل الإشادة إلى الثقافة العالية و الحضارة العلمية و النزعات الدينية و الرغبات الأدبية، و التوسع في نطاقها و الاهتمام في شئونها في هذه الجامعة، مضافا إلى مركزيتها للفقاهة و الاجتهاد و سائر العلوم الدينية الموجودة أشعة لمعانها إلى اليوم ببركة أعلام الشيعة و عظمائها و مراجع الإمامية و زعمائها، و أفذاذ الأمة و رؤسائها، و الإفصاح بأن اللازم على كل مسلم و شيعي حي غيور الحافظ على كيانه السامي العناية التامة لحفاظة هذه الجامعة الكبرى، و لفت أنظارهم إليها فإن في تقويتها قوة للمذهب، و في تشييدها ترويج للدين، و في الاهتمام بها قمع للباطل، و ذلك غير خفي على من له إلمام بهذا الموضوع و اهتمام بهذا المشروع المقدس، إن كان ممن رزقه اللّه تعالى فهم ما هو الصالح لعالم التشيع و حماية حوزة الدين، و ممن يقدم المصالح العامة و المنافع الاجتماعية على المنافع الشخصية و الأغراض الفردية، و ليعلموا اخواننا بالقطع و اليقين أن من نيات أعداء الدين و خصماء المذهب من الأمم الأجنبية و من مكايدهم الممقوتة، هدم أساس هذه الجامعة و محوها و إبادة مجدها و عظمتها و حطها عن مقامها الشامخ في عالم التشيع، و نسف حضارتها العلمية و نزعاتها الدينية، و لهم السعي البليغ في تهيئة أسباب ضعفها و سقوطها و اضمحلالها، و إرجاع الناس إلى غيرها و ترغيبهم إلى سواها في أمر التقليد و الفتوى، و تحكيم الجمود على أفرادها و سوقهم إلى نبذ أغلب العلوم إلى ورائهم ظهريا، و الاكتفاء ببعض العلوم التي لا يكفي في قلع أساس الأباطيل و الأضاليل، و قمع جرثومة الزندقة و الإلحاد، كما فعلوا ذلك كله بالنسبة إليها بعد أوائل هذا القرن، و شاهدنا ذلك في هذه السنين الأخيرة، و في أثر ذلك توقف جمع من الأساتذة في هذه الجامعة عن دراسة بعض العلوم، و صار هذا الأمر من الجنايات التي لا يسدها شيء إلاّ التيقظ و سد هذه الثلمة بالحرية التامة في تحصيل العلوم بشتى أنواعها.