الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٠٥ - البداية و النهاية و البدء هو الغاية
كَلاََّ إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِمََّا يَعْلَمُونَ [١] ، و هذه الإشارة خير من ألف عبارة، فهذه النطفة القذرة كيف يصح لها أن تلتحق بعظمة جبروت اللّه وسعة ملكوته، و تدخل في جنانه و بهاء رضوانه إلاّ بعد التصفية و التهذيب، و طي تلك المراحل و المنازل فتعود إليه كما بدأت منه و إلاّ بقيت مخلدة في سجن الطبيعة و سجين المادة، و ظلمات الأهواء، و جحيم الرذائل النفسانية، لهم نار جهنم خالدين فيها أبدا، عافانا اللّه منها، و من كل سوء.
و أحسب أني بعد هذا كله قد أوضحت لك البيان، و خرجت لك من العهدة، و محضتك بعد المخض الحثيث بالزبدة، و عرّفتك من غوامض المبدأ ما يحل لك العقدة، و تضحى لك به أنوار الحقيقة، و لكني حرصا على مزيد إقناعك، و رسوخ يقينك و شموخ عرفانك أضرب لك مثلا من نفسك، هو أقرب شيء إلى وجدانك و حسّك، ففي الحكمة العالية، و لعلها من معين ينابيع النبوة: أيها الإنسان اعرف نفسك تعرف ربك «من عرف نفسه عرف ربه» [٢] طردا و عكسا.
[١] -سورة المعارج، الآية ٣٨-٣٩.
[٢] -المعروف في الألسن و المشهور في الكتب أنّ هذه الكلمة النيرة صادرة عن صاحب الرسالة المقدسة صلّى اللّه عليه و آله، و لكن نقل العلامة الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري في كتابه «باب الفتوح لمعرفة أحوال الروح» : ص ٨ ط ١. مصر سنة ١٣٠٤ هـ، عن القاضي الخفاجي أنه قال-عند استشهاد القاضي البيضاوي في كلامه بقوله عليه السّلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه-:
إنّه «ليس بحديث، بل هو من كلام أبي بكر الرازي، كما ذكره الحفاظ، و بعض الجهلة يظنه حديثا كما يقع في بعض الموضوعات» .
و قال العلامة السيد عبد اللّه شبر قدّس سرّه في كتابه مصابيح الأنوار: ص ٢٠٤ ج ١ ط. بغداد:
الحديث الثلاثون ما رويناه عن جملة من علمائنا الأعلام و فضلائنا الكرام، و اشتهر بين الخاص و العام من قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ، و مما هو جدير بالذكر