الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٢
ق (٤٤٨) هـ، و استقل بالإمامة للشيعة بعد وفاة أستاذه الشريف علم الهدى السيد المرتضى المتوفى (٤٣٦) هـ، فاشتهر صيته في الآفاق، و سطع نوره و عرف فضله، و انقاد الكل لعظمته، و ازدلفت إليه العلماء و الفضلاء من كل حدب للتلمذة و الحضور تحت منبره، و اجتمع إليه المستفيدون من الأقطار، و بلغت عدة تلامذته إلى ثلاثمائة من مجتهدي الفريقين، حتى أنّ الخليفة العباسي القائم بأمر اللّه عبد اللّه بن القادر باللّه أحمد جعل له كرسي الكلام، و ما كان العباسيون يسمحون به يوم ذاك إلاّ لمن هو في الرعيل الأول و القمة العليا بين العلماء في علومه و المتفوق على نظرائه في الكلام، فغلت الأضغان و الأحقاد في قلوب الحساد، و اشتعلت نائرة الفتنة بين الفريقين، و سارعوا في القضاء على الأخوة الإسلامية، و أوردوا أضربتهم المنكرة عليها و احترقت من جرائها كتب الشيخ قدّس سرّه و داره في باب الكرخ، و كرسي كان يجلس عليه للكلام.
فهاجر شيخنا وقتئذ إلى النجف الأشرف-هذه الأرض المقدسة-و أسس هذه الجامعة، و اختارها للمركزية العلمية، تحت لواء القبة العلوية، فازدلفت إليه العلماء و الأفاضل، و هاجروا معه و أحاطوا به من كل جانب كالهالة على القمر، و تقاطر إليه الفضلاء من كل صقع و ناحية حتى برعوا بعلومه الجمة، و نشروا ألوية العلم و الدين في أنحاء البسيطة بعده، و أبى اللّه إلاّ أن يتم نوره.
و لا يزال من ذلك الزمن الغابر هذه الأرض المقدسة محطّ رحال رجال العلم، و دار الهجرة رواده، و لم يزل فيها على مرّ القرون إلى اليوم جمع من أكابر العلماء و الفقهاء يتكفلون أمور شيعة أهل البيت عليهم السّلام في التقليد و الفتوى، و تربية طلاب العلوم الدينية و رواد الفضيلة، و لذا نجد أكثر علماء الشيعة، بل جلهم في الأقطار و الأمصار من تلك القرون إلى اليوم من خريجي هذه المدرسة العلوية، و المقتبسون علومهم و معارفهم الدينية من هذه الجامعة المرتضوية، فإنها كالجامعات و الكليات الراقية، بالإضافة إلى المدارس الابتدائية بين جميع المعاهد العلمية للشيعة، و انتشرت منها إلى اليوم الملايين من المصنفات النفيسة و التصانيف الممتعة التي يعسر لنا بل لا يمكن لأحد إحصاؤها و عدّها على التحقيق.
و منذ تأسيس هذه الجامعة لم تزل تزدهر بالعلوم و تموج بالفضائل في كل هذه العصور، و لها تأثير عالمي و أثر قوي يشمل الإنسانية و يحيط البشرية جمعاء، بيد أن أوائل هذا القرن من