الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢١٤
كل مقدار يستوفيه أحدهما منها، فهو لهما، و كل ما هلك و توى فهو عليهما، فهما بمنزلة الدائن الواحد، و قبض أحدهما النصف نصف قبض، لا قبض النصف، و لكن ذلك لا يمنع قبوله للقسمة و صحتها لو اتفقا عليها بأن يعيّنا حق كل واحد منهما فيما يقبضه، فإن قبضا معا فكل واحد قبض حقه، و إن قبض أحدهما تعيّن الباقي للآخر، فدعوى عدم إمكان القسمة لعدم إمكان التعيين مما لا وجه لها، و هذا القدر كاف في صحة القسمة بلا ريب، فإنه تعيين للحق، رافع لتلك الإشاعة و الاشتراك حقيقة، فإذا عينه المالك-أعني كل واحد من الشريكين-تعيّن، فإن المال الكلي الثابت في الذمة لهما، و لهما التصرف فيه كيف شاءا، سواء رضي من عليه الحق أم لا، و إن كان له اختيار تعيين الكلي في أي مصداق أراد.
و بالجملة: فلا مجال للتأمل في صحة القسمة و إمكانها، و شمول عموماتها لهذا النوع، بل و لزومها بعد تحققها فيكون لكل منهما ما يقبضه، و لا يشاركه الآخر فيه، و لو قبض أحدهما و تعذر قبض الآخر بحيث عدّ كالتالف كان من نصيبه فقط، بل يمكن القول بصحة قبض أحدهما نصيبه من ذلك المشاع حتى مع عدم القسمة، فلو عمد أحد الشريكين و قبض نصف المال ممن عليه الحق و لكن بقصد أنه قبض حقه و تمام حصته لا بقصد الحصة المشتركة من المال المشترك صح، و كان المقبوض له بتمامه و لو مع عدم إذن شريكه، بل و لو مع عدم رضاه، كما يظهر من ابن إدريس [١] من أنّ لأحد الشريكين أن يقبض حقه، كما له أن يهبه أو يبرئ الغريم منه، أو يصالح عليه، فلو شاركه في المقبوض لكان في هذه الصور كلها يشارك من لم يهب و لم يبرئ فيما يستوفيه... الخ؛ لأن هذه
[١] -محمد بن أحمد بن إدريس الحلي، صاحب كتاب السرائر، من أعاظم فقهائنا، و هو في الرعيل الأول بين المحققين، توفي سنة (٥٩٨) هـ.