الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٧٩ - المعاد الجسماني
قو انتقل إلى بغداد، فنشأ فيها و رحل إلى الشام و اتصل بسيف الدولة الهمداني، و توفي في دمشق سنة ٣٣٩ هـ و صلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه متسترا، و كان مقدما في كل الفنون، لم يشاركه في التعليم أحد إلاّ المعلم الأول (أرسطو) ، و له نحو مائة تصنيف، و بكتبه تخرج الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا، و لولاه لم يكن أبو علي رئيسا لحكماء الإسلام كما نقل عن ابن سينا نفسه، و كان يحسن أكثر اللغات الشرقية المعروفة في عصره، و كان أزهد الناس في الدنيا و الإعراض عنها، و لا شك في تشيعه و حسن عقيدته، و لكنه أيضا كأمثاله من الأكابر وقع هدفا لسهام اللوم و التكفير و الطعن و التفنيد، و قد تقدم منا أنه لا وقع في التأريخ الصحيح بهذه التهم و الأفائك؛ لأنّ أغلب الأكابر لم يسلموا عن هذه السهام المسمومة، و لم يشذ أحد منهم عن القذف بالمروق و الشذوذ و ما شابه ذلك، و لم يسلم أكثرهم سواء في حياتهم أو بعد مماتهم عن الكلمات الخاطئة و التحامل عليهم بالقول الزور و بكل أفيكة، و لذا لا ينبغي التسرع إلى تلقي تلك الكلمات الشائنة في حقهم بالقبول و الإصغاء إليها كما صرح به العلامة الوحيد البهبهاني قدّس سرّه و غيرهم؛ لأنّ للرمي بالتكفير و التفسيق و ما شابههما جهات و أسباب مختلفة لا يسعنا المقام ذكرها، منها الجهل و قصور الفهم، و عدم القابلية و الاستعداد لدرك الحقائق، و نقصان الغريزة عن فهم المطالب الغامضة و المعاني الدقيقة التي دبجوا الأكابر تضاعيف عباراتهم المعضلة و كلماتهم المتشابهة بها، و هي ودائع منهم لأهلها، و لمن نال استعداد فهمها و حفظها، فصلوات اللّه و تسليماته على من تكلم بهذه الكلمة النيرة إن «هذه القلوب أوعية و خيرها أوعاها» .
و من الواجب على رواد العلم و حملة الفضيلة أن يمعنوا النظر في تلك الكلمات و العبارات و المطالب الغوامض و يحملوها على الصحة و السداد لا على الاعوجاج و الفساد، مع الذهول عن المقصود، و الغفلة عن المراد، و يتركوا الجمود و الخمود، مع التجنب عن الاضطهاد و التباعد عن البغضاء و العناد و نبذ المعاداة و التهمات، و إلى غيرها من الصفات و الموبقات، و أن يحملوا كلمات كل طائفة على ما هو ظاهر عندهم و معلوم لديهم، مع رعاية مصطلحاتهم و معرفة اصطلاحاتهم، و إياهم و التداخل في العلوم التي لم يحوموا حولها، و لم يدرسوها بالدراسة التحليلية عند أساتذتها كما أشار بذلك شيخنا و أستاذنا الإمام العلامة- أدام اللّه أيامه-فيما تقدم من ترجمة كلماته الشريفة ص ٤١-٤٣؛ فإنهم إن لم يراعوا هذه