الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٦٢٣ - القول في الشراب الأسود
يجاوز الحد المعتدل ، لان ما كان من البصاق كذلك ، كان محتاجا في تسهيل خروجه بالنفث إلى ما يسخن ويرطب ويلين تليينا معتدلا ، ثم إلى ما يلطف ويحلل ويجلو وينقي وإلا لم يؤمن على البصاق أن يمانع القوة الدافعة بيبسه ولزوجته ولا ينقاد إلى فعلها بسرعة ويهيج سعالا عنيفا شديدا ويفتق عروق الصدر ويشقها . ولذلك صار الشراب الأحمر الحلو إذا خلط ببعض الأدوية المنقية المطلقة ، كان نافعا من هذه العلل .
وأما الشراب المورد من العنب الأحمر ، والخوصي من العنب الأصفر ، فمتوسط [١] بين الشراب الأشقر والأصفر ، وبين الشراب الأبيض الرقيق . ولذلك صار ، بإضافته إلى الشراب الأبيض الرقيق ، أكثر غذاء وأسرع انقلابا إلى الدم ، وإن كان المورد أخص بالانقلاب إلى الدم من الخوصي لما فيه من بقايا الخمرة . ولما كان هذان النوعان من الشراب لا يكونان نيرين أحمرين عطريين ، صارا سريعي الترقي إلى الرأس ، لأنهما [٢] غير مضرين بحجب الدماغ للطافتهما وسرعة انحلالهما وقربهما من لطافة الشراب الأبيض الرقيق . ولذلك صار سكرهما سريعا وانحلال خمارهما قريبا .
وأما الشرابان [٣] الأصفر والأشقر فلما كان الأغلب على مزاجهما ، إذا كانا حديثين ، الحرارة في الدرجة الثانية ، وإذا كانا عتيقين كان الأغلب عليهما الحرارة في الدرجة الثالثة ، وعلى طعمهما الصلابة والشدة ، وعلى قوامهما اللطافة وخفة الحركة ، وعلى رائحتهما الذكاء والعطرية والخمرية ، صارا إذا ما شرب [٤] أحدهما ، يترقى إلى الرأس بسرعة ويملأ الدماغ بخارات حارة لذاعة ، ويسكن من قرب ويضر بحجب الدماغ وسائر العصب . ولذلك صارا إذا تناول أحدهما من كان مزاجه ممرورا إما بالطبع والبنية ، وإما لحال عرضت له ، ومن كان كثير الهم والتعب أو يقلل من غذائه ، لم تكن مضرته له باليسيرة ، لأنه يسخن من كانت هذه حاله ويحدث به حمى ويهيج به صداعا لاضراره بالدماغ وسائر العصب ، وبخاصة إذا كان الزمان صيفا والهواء حارا والبلدة أيضا كذلك . وإن كان ليس إنما يفعل هذا الفعل ‹ ب › من كانت هذه حاله من الممرورين والمغمومين والكثيري [٥] التعب والقليلي [٦] الغذاء ، لأنه يولد فيهم دما رديئا مذموما ، لكن لأنه يسخنهم ويجففهم تجفيفا قويا وهم إلى التبريد والترطيب أحوج ، وإن كان ربما نفع هذان النوعان من الشراب الدماغ وسكنا الصداع العارض من انصباب الأخلاط الغليظة إلى المعدة ، لأنهما يلطفان [٧] تلك الأخلاط ويقطعانها ( ٧ ) ويحدرانها ( ٧ ) بسرعة . ولذلك صار متى تناول أحدهما من
[١] في الأصل : فمتوسطا .
[٢] في الأصل : لأنها .
[٣] في الأصل : الشراب .
[٤] العبارة في الأصل : ( صار كما يشرب ) . ولعلها كما أثبتنا أكثر تناسبا مع السياق .
[٥] في الأصل : الكثيرين .
[٦] في الأصل : القليلين .
[٧] في الأصل ، بحذف النون .