الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٤١ - القول في اللبن
خلط معه لبن آخر وشوي أو سلق ، أجمد ما يخالطه من اللبن وعمل فيه أكثر من عمل الإنفحة [١] ، لان الإنفحة إذا أجمدت اللبن ، ميزت مائيته من جبنيته ، ولا يصير منه مشا [٢] .
وأما اختلاف اللبن على حسب قرب خروجه من الضرع أو بعده منه ، فيكون على ثلاثة ضروب ، لأنه قد تقدم من قولنا إن مدة اللبن تنقسم ثلاثة أقسام : لان منه القريب العهد بالخروج من الضرع وهو المعروف بالحليب . ومنه البعيد العهد بالخروج من الضرع وهو المعروف بالدوغ . ومنه المتوسط بين هاتين الحاشيتين وهو المعروف بالماست ، أعني الرائب .
فأما الحليب القريب العهد من الخروج من الضرع ، فهو أقوى الألبان حرارة وأكثرها توسطا واعتدالا في الكيفيات الأربع ، لأنه بعد قريب [٣] من طبيعة الحيوان الذي هو منه . ولذلك صار بالإضافة إلى غيره من الألبان ، أفضل وأحمد غذاء وأكثر تربية للحم إذا استعمل على ما ينبغي من خلاء المعدة من الغذاء ، ونقائها من الفضول مع اعتدال مزاج المستعمل له ، إذا لم يؤخذ منه إلا المقدار القصد [٤] ، لان الاكثار منه يحدث أحد أمرين : إما أن يتجبن في المعدة ويؤلمها ويضر بها ، ويحدث بخارات تكون سببا للاختناق وضيق النفس والبهر [٥] . وإما ألا يتجبن ، لكنه يستحيل إلى الحموضة ويضر بالجنبين وسائر البطن . والسبب في ذلك : اختلاف حالات المعدة وموضعها من الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، لان المعدة متى كانت قوية الحرارة ملتهبة ، إما من طبعها وإما لعارض عرض لها ، أجمد اللبن فيها وتشيط ، واستحال إلى الدخانية وجنس المرار وأضر بفم المعدة ، والصدر ، ومجاري النفس ، والرأس ، إلا أن يوافي مزاج الرأس معتدلا وجرمه صحيحا قويا ، فلا يقبل من تلك البخارات شيئا ، فيسلم من أذيتها ، وتلحق الاضرار المعدة ومجاري النفس فقط ، لان كثيرا ما يكون مزاج الرأس معتدلا ، ومزاج المعدة حائدا عن الاعتدال ، إما إلى الحرارة وإما إلى البرودة ، أو يكون مزاج الرأس حائدا عن الاعتدال ، ومزاج المعدة والصدر ومجاري التنفس بخلاف ذلك وضده .
ومتى كانت المعدة باردة إما من طبيعتها وإما لعارض عرض لها ، ضعفت عن طبخ اللبن وهضمه على ما يجب ، برد واستحال إلى الحموضة والعفونة ، وولد رياحا نافخة وقراقر وانزماما ، وأضر بالجنبين وسائر البطن . فمن أراد أن يزيل ذلك عن اللبن ، فليكن استعماله مطبوخا ببعض الأشياء الغليظة التي تحتاج قبل نضجها إلى نار أكثر ، مثل الحنطة والسميذ والأرز والجاورس ، ليطول فعل النار فيه خارجا ، ويزول عنه أكثر رياحه ونفخه . وإن كان من الواجب أن يتوقى الاكثار منه مع هذه الأغذية أيضا ، لأنها تكسبه لزوجة وغلظا وتعينه على توليد السدد في الكبد والطحال وأحدث الحجارة في الكلى
[١] النفحة من الألبان : المحضة . والمحض من اللبن : الخالص لم يخالطه غيره . والإنفحة سيأتي المصنف إليها .
[٢] المش : الطيب . ويقال : أطعمه هشا مشا .
[٣] ( قريب ) مستدركة في الهامش .
[٤] مقدار قصد أي لا كثير ولا قليل .
[٥] هو انقطاع النفس .