الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٤٧ - في معرفة الأغذية من روائحها
وأسرع تحللا مع البخار وبخاصة متى كان الجوهر المتحلل مع البخار موافقا للروح النفساني ، لان الروح الموافقة له تستلذه وتستطيبه وتسكن له .
وأما حاسة الذوق ، فإنها لما كانت بلقاء جرم المحسوس بجواهره المختلفة ، قوي فعل المخالف منها على الموافق لان الحاسة تسكن عند الجوهر [١] الموافق وتهدأ عن الحركة لاستلذاذها ومشاكلته لها ، وتقلق وتضطرب عند الجوهر المخالف وتكثر حركتها لما بينهما من المنافرة . والدليل على ذلك : أنا نجد الورد لذيذا عند حاسة الشم ، كريها عند حاسة الذوق ، من قبل أن الذي يتحلل منه مع البخار بسرعة ويصل إلى حاسة الشم لطيفة ومحمودة . وأما جوهره الغليظ الكريه العفص ، فلقوة أرضيته ، يعسر تحلله مع البخار جدا . ولذلك لا يتحلل منه إلا ما لا مقدار له عند الحاسة . ومن قبل ذلك يخفى ولا يظهر إلا بالقرب من فناء الجوهر اللطيف .
وللفيلسوف [٢] في كتابه المعروف بكتاب ( النفس ) في هذا فصل قال فيه : إن الشم ليس هو كسائر الحواس ، من قبل أن كل حاسة من الحواس تدرك اللذيذ من محسوساتها والكريه والوسائط التي بين اللذيذ والكريه جميعا ، كالبصر فإنه يدرك البياض والسواد وما بينهما من الألوان . والذوق يدرك الحلو والمر وما بينهما من الطعوم . وأما الشم فليس كذلك لأنه إنما يدرك الرائحة الطيبة والكريهة فقط ، ولا يدرك ما بينهما من الوسائط . ولذلك لم يفصل بين رائحة المر والمسك ، والصبر والعنبر إلا أن نعلم أن بعضها طيب وبعضها كريه ، ولا نعلم فصولها الغاشمة لها المميزة لبعضها من بعض ، لان الحاسة لما ضعفت عن إدراكها لم تدل على كيفياتها ، ولما لم تدل على كيفياتها [٣] لم تقف على صفتها ، ولما لم تقف على صفتها ، لم يقف [٤] العقل على تسميتها فاشتق لها اسما من الطعوم وقال : طيب وكريه . وقد نستدل على ذلك من الحيوان الذي لا أشفار [٥] له تنطبق على عينيه ويريح الروح الحيواني البصري حتى يجتمع ويقوى ، ولذلك لا يبصر جيدا لدوام انفتاح عينيه وخسائها [٦] لكثرة ما يتحلل من الروح الحيواني منها بدوام ملاقاة نور الشمس له واستغراقه لنورها [٧] . وهذا موجود في دواب البحر لأنها خاسئة الأعين ، من قبل أن ليس لها أشفار تطبقها على أعينها فتريح الروح الحيواني ليقوى ويخرج على زاوية حادة صنوبرية .
وكذلك حاسة الشم لا تميز الروائح على الحقيقة لخسائها وغلظها وبعدها من موضع الشم . فإن قال قائل : فإذا كان الشم إنما يدرك محسوساته بالاستنشاق فكيف صار ما لا مناخر له من الحيوان يشتم ؟
قلنا له : إن المجاري التي يشتم بها الحيوان الذي لا مناخر له ليس عليها مانع يمنع من وصول الهواء
[١] في الأصل : الجواهر .
[٢] يقصد أرسطو . وعدم تسميته له تدل على مدى انتشار آراء أرسطو في أوساط مفكري العرب وعلمائهم وتأثرهم بها .
[٣] أضيفت فوقها ، في الأصل ، كلمة ( يصل ) .
[٤] في الهامش عبارة : ( لم يدل على كيفياتها ولما لم يدل على كيفياتها ) .
[٥] الشفر والشفر جمع أشفار : منبت الشعر في الجفن وليس هو من الشعر في شئ ، وربما يراد به . ( متن اللغة مادة شفر ) .
[٦] خسأ البصر : كل وأعيا .
[٧] في الأصل : لنوره .