الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٢٧١ - في العنب
للتدبير الملطف وأبعد من مولد الصداع والنفخ ، لان الهواء قد نشف أكثر رطوبته الفضلية لأنه لم يخزن ولا كبس بعضه على بعض حتى يحمى وتتولد منه بخارات غليظة . وأما فعله في حبس البطن أو تليينه ، فإنه غير مطلق ولا حابس لان ليس فيه من قوة العفوصة ما يحبس البطن ، ولا من زيادة الرطوبة ما يطلق .
ولذلك صار غير مقو للشهوة ولا مضعف لها لان ليس فيه من القبض ما يقويها ، ولا من فضل الرطوبة ما يفسدها .
وأما ما يصير من الطلاء ، وفى عصير العنب الحلو ، فإنه أغلظ وأكثر غذاء وأقل موافقة للمعدة وأبعد من التدبير الملطف وأكثر رياحا ونفخا لما يكتسبه من الرطوبات الفضلية الغليظة . فأما رطوبة العنب المعراة من اللحم ، فغذاؤه غذاء حسنا ، إلا أنه أقل من غذاء اللحم الغث وأسرع انحدارا . ذلك لسيلان الرطوبة وغلبة المائية عليها وبعدها من الغلظ واللزوجة ، ولذلك صار العنب الذي لحمه وشحمه أكثر من مائيته ورطوبته وبخاصة متى كان قشره أغلظ وحبه أكبر وأعظم . والعنب الذي رطوبته ومائيته أكثر من لحمه وشحمه مثل العنب الحديث الانعقاد ، أقل غذاء وأسرع انهضاما وانحدارا وبخاصة متى كان قشره أرق وحبه أقل وأصغر . ولذلك قال جالينوس : أن أسلم أصناف العنب وأقلها غائلة ما كان نضيجا جسيما ولحمه قليلا ماؤه غزيرا وقشره رقيقا وحبه قليلا صغيرا ، وعلق بعد قطافه مدة ، وأكل بمقدار ورمي حبه وقشره .
وقد تستخرج رطوبة العنب على ضربين : وذلك أن منه ما يكبس بعضه على بعض حتى يضغط بعضه بعضا [١] وتسيل مائيته ورطوبته المعروفة [٢] بالسلافة [٣] من غير أن يعتمد عليه معتمد ويعصره . ومنه ما يعصر بالدوس والدهق [٤] حتى يخرج لحمه مع رطوبته . فأما الأول منها المعروف بالسلافة ، فإن رطوبته خالصة محصنة لم يشبها من عفوصة الحب والقشر ، ولا غلظ اللحم . ولذلك هو أرق وألطف وأسرع انحدارا وانهضاما وأسهل نفوذا في العروق وأعون على إطلاق البطن ، إلا أن غذاءها أقل وانحلالها من الأعضاء أسرع . وإن أبطأت في المعدة قليلا وبعدت بانهضامها ، ولدت نفخا ورياحا . وأما النوع الثاني المستخرج بالدوس والدهق ، فإن لحمه وشحمه وبعض قوة حبه وقشره يخرج منه . ولذلك صار أغلظ وأكثر غذاء وأعسر انهضاما وأبعد نفوذا في العروق . ولهذه الجهة صار كثيرا ما يتبقى منه بقايا في أفواه العروق وتولد فيها سدة . إلا أنه لما يكتسبه من عفوصة الحب ، صار فيه شئ من تقوية المعدة .
وقد يختلف العنب من وجوه غير ما قدمنا ذكره ، ذلك أنه يختلف من قبل طعمه ومن قبل لونه ومن قبل لطافته وغلظه . أما اختلافه من قبل طعمه ، فيكون على ضروب : وذلك أن منه الشديد الحلاوة ، العسلي الطعم . ومنه الرقيق المائي القريب من المز . ومنه المتوسط بين ذلك ، الخمري الطعم . فما كان منه حلوا عسليا ، كان أقواها حرارة وأشدها تولدا للعطش وأغلظها وأكثرها لحما وغذاء
[١] كانت في الأصل : ( على بعض ) . فشطب ( على ) وأصلح ( بعض ) .
[٣] السلافة هي أول ما يعصر من كل شئ .
[٢] في الأصل : المعروف .
[٤] دهق دهقا الشئ : كسره وقطعه .