الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ٢١ - القول في طبائع الأبدان
انحدارا ، ليكون متى انهضم الطعام اللطيف وحاول الخروج ، لم يعوقه عائق عن الانحدار .
فإن عارضنا معترض وقال : فما أنكرت أن يكون متى تناول الانسان طعاما لطيفا ، ثم أتبعه بطعام غليظ ، أن الطعام اللطيف متى انحدر [١] وهم بالخروج ، أحدر معه الطعام الغليظ ضرورة كما شرطت في أعلى كلامي [٢] . أن المعدة متى يقدم فيها طعام قد توسط الهضم ، وتناول صاحبه طعاما ثانيا ، إن الطعام الأول متى انهضم وحاول الخروج ، انحدر معه الطعام الثاني ضرورة .
قلنا له : قابلت بالمحال من قبل أنا إنما شرطنا هذا الشرط متى كان الطعام الثاني ألطف من الطعام الأول أو مساو له في اللطافة لأنه متى كان كذلك وانهضم الطعام الأول ، أمكن [٣] الطعام الثاني ، للطافته وليانته وسرعة انقياده ، أن ينزلق وينحدر مع الطعام الأول ضرورة . فأما الطعام الغليظ فإنه إذا أخذ بعد الطعام اللطيف ، فانهضم الطعام اللطيف بسرعة ، وحاول الخروج ، مانع الطعام الغليظ القوة الدافعة لغلظه ، وبعد انقياده ، ولم ينقاد لفعلها ، وامتنع من الانحدار والخروج إلى أن ينهضم ويكمل نضجه ويكتسب ليانة ورخاوة تزلقه وتعين القوة الدافعة على دفعه .
وأما اختلاف الأغذية على حسب طبائعها وذواتها [٤] فينقسم قسمة أولية على ضربين : وذلك أن منها بسيط ومنها مركب . أعني بالبسيط ما كانت قوته قوة واحدة مفردة وهو ما كان قوة جرمه وقوة رطوبته المستخرجة منه بالطبخ قوة واحدة . وأعنى بالمركب ما كان له قوتان متضادتان [٥] ، وهو ما كان قوة جرمه مخالفة لقوة جوهره ورطوبته فما كان منها قوته بسيطة مفردة كان طعم جرمه مشاكلا لطعم جوهره ورطوبته المستخرجة منه بالطبخ وهو على ثمانية اقسام ، أحدها : الحلو . والثاني : الدسم . والثالث : المالح .
والرابع : المر . والخامس : الحريف ( ١ ) . والسادس : الحامض . والسابع : العفص . والثامن : التفه .
فأما الحلو ، فإنه متى كان خالص الحلاوة ، ولم تشبه حرافة ( ٦ ) ولا لزوجة كان ألذ الطعوم عند الطبيعة لقربه من طعم الدم وطبيعته ، ولأنه يجلو ويغسل وينفى عن الحساسية ما يؤذيها ويلين البطن تليينا معتدلا من غير استكراه للطبيعة ، ولا عنف عليها . ولذلك صار فعله في سرعة الانهضام والانحدار عن المعدة والمعاء فعلا معتدلا بطبيعته وذاته . وأما نفوذه في العروق فليس هو له في طبعه لكن بالعرض ، لان ذلك إنما يكون عن فاعل خارج عنه ، لا عن فاعل من ذاته . وذلك أن الأعضاء لو لم تشتاق إليه لاستلذاذها به بعذوبته ، وتجذبه إليها قهرا ، لكان من حكمه وطبعه ان يهيج المعاء إلى دفعه وإخراجه
[١] تعرضت هذه الكلمة لطمس نصفي . وما أثبتناه ينسجم مع السياق ، ومع الحرفين الأول والأخير السالمين منها .
[٢] في الأصل : كأمي . ولعلها كما أثبتنا .
[٣] في الأصل : ( أمكن في الطعام . . ) وظاهر أن حرف الجر مقحم هنا سهوا .
[٤] هذه الكلمة غير موجودة في النص . وصادف أنها بداية صفحة . فأثبتناها من ذيل الصفحة التي قبلها .
[٥] في الأصل : قوتين متضادتين . ( ٦ ) الحريف : الذي طعمه الحرافة . والحرافة : الطعم الذي يحرق اللسان ويلذعه كالبصل .