الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٦٨ - في اصلاح الأغذية ونقلها من الطعوم الكريهة المذمومة والروائح البشعة الفاسدة والأجسام الصلبة الخاسئة إلى طعوم لذيذة محمودة وروائح ذكية مقبولة وأجرام لينة معتدلة تصلح للغذاء
بسرعة بحرارة الهواء ، وتلقى الأبازير في القدر من أول الطبيخ لينضج نضجا كاملا ، وإلا فججت الغذاء ومنعت من هضمه على ما بينا مرارا .
وإن طبخت لحما من حيوان له زهومة ، فالأفضل ألا تكسر من عظامه ، إلا ما لا بد من كسره ، لان الفساد يسرع إلى مخ العظام كثيرا لاحتقانه في باطن العظام وكثرة دهنيته . فإذا خالط المرق منه شئ غلبت زهومته عليه فأفسدته . وإن قدرت أن تنزع العظام أو تنزع مخاخها ، كان أفضل . ثم تغسل اللحم بالماء وتمرغه في ملح قريب من الجريش قد خلط معه شئ [١] من الحاشا [٢] ويسير من فوذنج ويصير على شئ متخلخل ساعة حتى يمصل ماؤه الذي فيه زفورته ، ثم يغسل بالماء العذب مرات حتى يزول طعم الملح الذي يغسل به ، ثم يغلى بالماء العذب حتى ترتفع رغوته وتنزع بمغرفة مثقبة حتى يتنظف ماؤه ويصفو ، ثم تغير ذلك الماء وتطبخه بماء ثان [٣] أي لون أحببت . فإن كان الحيوان قليل الزهومة ، فلا تبالي إن كسرت عظامه ، ولكن اغسله بالماء وملحه بالملح والحاشا والفودنج على ما وصفت ، ثم اغسله حتى يعذب ماؤه واغسله وانزع رغوته واطبخه من غير أن تبدل ماءه . فإن كان الحيوان بريا ، فالأفضل ألا يطبخ [٤] إلا بعد أن يذبح بيوم لتذوب رطوبته بسخونة الهواء ويرطب لحمه ولا يرخي جسمه ويفيده ليانة تقرب من ليانة الحيوان الأهلي ، لان العفونة لا تكاد تسرع إلى الحيوان البري ، لقلة رطوبة غذائه وجفاف هوائه ودوام حركته وكثرة تعبه .
وأما الحيوان الأهلي ، فلما كان في جميع أحواله مخالفا للحيوان البري لرطوبة هوائه وإمكان غذائه وقلة حركته ودوام سكونه ، وجب أن يكون تدبيره مخالفا لتدبيره أيضا . غير أن الامر ، وإن كان كذلك ، فمن الواجب أن يكون التدبير أيضا ملائما لجنس الحيوان وطبيعته ومزاجه ، لأنا قد بينا مرارا أن من الحيوان ما هو في طبيعته لين رطب مثل الرضيع من الضأن وما هو في طبيعته رخص قليل الرطوبة مثل الجدي والفراريج وفراخ الشفانين [٥] . ومنه ما هو في طبيعته صلب جاف قليل الرطوبة مثل البقر والظباء والديوك العتيقة والطواويس والفواخت والحجل وكبير الشفنين [٦] والدراج والفتي من الحمام ( ٢ ) . ومنه ما هو في طبيعته زهيم سريع الانتقال إلى الفساد ، مثل الكبير من الماعز وبخاصة الذكران منه . فما كان في طبيعته لينا كثير الرطوبة ، مثل الجدي الرضيع والفراريج والتدرج وفراخ الشفانين ، أو زهيما ، مثل الكبير من الماعز ، كان الأفضل أن يطبخ وقت أن يذبح إلا ما كان في طبيعته لينا رخوا كثير الرطوبة أو رخصا قليل الرطوبة ، استغني عن الحيلة فيما يلين لحمه ويرخيه أكثر من طبخه أو شيه فقط .
وما كان في طبيعته زهما ، كان من شأنه إذا لبث قليلا ( ٧ ) بعد أن يذبح أسرع إليه الفساد ، وتغيرت
[١] في الأصل : شيئا .
[٢] الحاشا : نبات زهره مستدير ، لونه أبيض إلى الحمرة ، وورقه صغير تجرشه النحل .
[٣] في الأصل : ثاني .
[٤] في الأصل : ألا أن يطبخ .
[٥] طائر أصغر من المحمام . هو في الشام الترغل ، وعند العامة بمصر اليمام .
[٦] في الأصل : الحيوان . والتصويب في الهامش . ( ٧ ) ( قليلا ) : مستدركة فوق أول سطر من الصفحة .