الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٦٠ - في ما يملح من السمك وغيره
على ترطيب الجسم وتليين صلابته ، ورجع إلى التوسط والاعتدال .
فقد بان مما قدمنا إيضاحه : أن الصغير من الضأن مذموم التمليح . والفتي والهرم محمود للتمليح . والفتي والهرم من البقر والماعز مذمومان للتمليح . والصغير محمود للتمليح ، من قبل أن الصغير من كل حيوان ، بإضافته إلى الفتي والهرم من نوعه ، أرخى لحما وألين جسما . فإذا كان من حيوان أرطب بالطبع مثل الضأن ، وواقعه الملح ، تحللت رطوبته بلطافة الملح ، وضعفت قوة الملح عن تجفيفها لكثرتها فزادت في رخاوة الجسم وليانته وفساده ، لأنه يكتسب من الملح حرافة وحدة ، ويولد غذاء محرقا للدم بعيدا من التشبه بالأعضاء . وأما الهرم من كل حيوان ، فإنه أجف وأقحل . فإذا كان من حيوان أرطب بالطبع ، مثل الضأن ، وواقعه الملح كان في رطوبته الطبيعية من الكثرة ما لا يفني الملح إلا بعضها ، وتبقى منها بقية تفي [١] بترطيب جسم الحيوان وتعديل صلابته . وإذا كان من حيوان أيبس بالطبع ، مثل البقر والماعز ، وواقعه الملح ، فنيت رطوبته بسرعة لقلتها ، وازداد جسمه قحلا وجفافا ، وخرج من حد ما يغتذى به . وأما الفتي من كل حيوان ، فإنه أصلب لحما وأقل رطوبة من الصغير الكثير الرطوبة ، كثيرا . فإذا كان من حيوان أرطب بالطبع ، مثل الضأن ، فإن الملح إذا واقعه ، ضعفت قوته على تجفيف جل رطوبته الطبيعية لكثرتها ، وسالت وذابت ورطبت صلابة الجسم وردته إلى الاعتدال . وإذا كان من حيوان أيبس بالطبع ، مثل البقر والماعز ، وواقعه الملح ولم يواف [٢] فيه [٣] رطوبة زائدة يفعل فيها ، احتوى على الجسم وجففه وزاده صلابة على ما كان عليه ، وخرج من حد الغذاء . وإن كان الفتي من البقر والماعز أفضل للتمليح من الهرم كثيرا ، لأنه أعبل جسما وأرطب لحما بالإضافة إلى الهرم قليلا ، من قبل أن صلابة جسم الفتي إنما هي [٤] لشدة أعضائه وقوة حرارته الغريزية وزيادتها على حرارة الهرم . وصلابة جسم الهرم فإنما تكون لقحله وجفاف جسمه وقلة رطوبته الجوهرية وقربها من الفناء . ولذلك صار أذم كثيرا وأردأ .
فإن قال قائل : فما الذي صير الهرم من كل حيوان أقحل جسما وأقل رطوبة بالطبع ، والشاهد ينبئ بخلاف ذلك ؟ من قبل أنا نجد المشايخ الطاعنين في السن أرخى لحما وألين جلودا وأكثر رطوبة . ويستدل على ذلك من كثرة لعابهم ودموع أعينهم ورطوبة خياشيمهم وسيلانها دائما .
قلنا له : أما ( ٥ ) ما ذكرته في المشايخ الطاعنين في السن ، وإن كان ظاهرا مشاهدا ، فإن ذلك ليس هو لهم من طبعهم . لكن لعرض فيهم مكتسب من ضعف حرارتهم الغريزية وعجزها عن هضم غذائهم وتحليل فضول أبدانهم وإخراجها من مسام البدن الدقاق . وبخاصة فضله الانهضام الثالث الكائن في الأعضاء .
ولذلك غلبت الرطوبات على أبدانهم ولانت أعضاؤهم واسترخت جلودهم وكثر لعابهم ودموع أعينهم ، وغزرت رطوبة خياشيمهم . والسبب في ذلك : أن حرارة أدمغتهم الغريزية لما ضعفت عن تلطيف ما يتبقى
[١] في الأصل : يفي .
[٢] في الأصل : يوافي .
[٣] ( فيه ) مكررة في الأصل .
[٤] في الأصل : هو . ( أما ) مستدركة في الهامش .