الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٣٢ - القول في اللبن
ويستعمل ، فإنه قريب من ماء الجبن المستخرج بالماء البارد ، إلا أنه أكثر تلطيفا وتجفيفا وأقل تسكينا للعطش كثيرا . وأما جوهر الزبد ، فهو في طبيعته حار لين كثير اللزوجة واللدونة ، كأنه في مزاجه شبيه [١] بمزاج بدن الانسان أو أقرب إلى مزاج الزيت العتيق في حرارته فقط ، لا في يبسه ، لأنه في اليبس مخالف له كثيرا ، لان الزيت في طبيعته يابس [٢] وبخاصة متى كان عتيقا . والزبد في طبيعته لين [٣] وبخاصة متى كان حديثا . ولذلك صار الاكثار منه يرخي المعدة ويلين البطن .
ولهذا نسبته الأوائل إلى طبيعة الشحم المذاف بالدهن ، وذكروا أنه متى أخذه من كان محتاجا إلى أن ينفث من صدره ورئته شيئا عند الأورام المتولدة فيها أو في الغشاء المستبطن للأضلع ، أعان على ذلك ونفع منفعة بينة لان من خاصته أيضا إنضاج الرطوبات وتحليلها . إلا أنه متى استعمل وحده ، كانت [٤] معونته على الانضاج أكثر ، وعلى النفث أقل . ومتى استعمل مع العسل أو السكر ، كانت معونته على الانضاج أقل ، وعلى النفث أكثر . ومتى طبخ الزبد ونزع ما فيه من يسير مائية اللبن وصار سمنا ، كانت لزوجته ودهنيته أكثر ، وقوي على تحليل الأورام الخاسئة ولين خشونة الأعضاء . وقد يستدل على ذلك من تليينه البشرة إذا مسح على الجلد من خارج . ولهذا السبب بعينه ، صار مضرا بالمعدة اضرارا بينا لأنه يلين خشونتها ويذهب بخاصتها التي بها تقوى على هضم الطعام وبخاصة متى كان مزاج صاحبها بلغمانيا .
وأما جوهر الجبن ، فهو بالإضافة إلى سائر جواهر اللبن ، بارد ، يابس ، غليظ الخلط ، عسير الانهضام ، بعيد الانحدار عن المعدة . ولذلك صار بحبس الطبيعة أولى منه بتليينها . فإذا استحكم نضجه في المعدة ، كان الخلط المتولد عنه غليظا عسير الانهضام في الكبد . ولذلك صار الاكثار منه غير مأمون ولا موثوق به ، لأنه من أخص الأشياء بتوليد السدد والغلظ العارض في جداول الكبد وعروق الطحال ومجاري الكلى ولا سيما متى وافى هذه المواضع مستعدة لقبول ذلك منه ، مثل أن تكون عروقها ومجاريها ضيقة بالطبع ، لأنها متى كانت كذلك ، كانت متهيأة لقبول السدد ضرورة ، وبخاصة متى استعمل بالعسل ، لان العسل يكسبه لذاذة تميل إليها الأعضاء وتقبله وتجذب إليها منه أكثر من مقدار القوة على هضمه . فإن وافى مع ذلك حرارة الكلى مجاوزة للمقدار المعتدل ، إما من طبيعتها وإما لعارض عرض لها ، تخزف فيها وتولد منه حجارة وحصى .
فقد بان واتضح أن اللبن في جملته محمود [٥] من جهة ، ومذموم ( ٥ ) من جهة . فأما الجهة التي يحمد فيها ، فتكون على ضربين : أحدهما : أنه إذا جاد انهضامه في المعدة والكبد ، غسل المعاء بما فيه من لطافة المائية وحدتها ، ونقى فضولها ، ودفع بسمنيته السم القاتل ، ولين الأعضاء ، وذهب بخشونة
[١] في الأصل : شبيهة .
[٢] في الأصل : يابسا .
[٣] في الأصل : لينا .
[٤] في الأصل : كان .
[٥] في الأصل : ( محمودا و ( مذموما ) .