الأغذية والأدوية - الإسرائيلي، إسحاق بن سليمان - الصفحة ١٠٩ - في الوجه الذي اختلف الشحم في غذائه وفعله
من اللحم والشحم . ولهذا ما ظن قوم أن الدماغ بارد [١] بالطبع ، فأقاموه في طبيعته ومزاجه مقام البلغم الغليظ اللزج . وصيروا دليلهم على ذلك من جهتين : إحداهما : من فعله ، والأخرى : من انفعاله . فإنهم قالوا : لما وجدنا الدماغ بطيئا في المعدة ، عسير الانهضام ، مفسدا [٢] لشهوة الغذاء ، علمنا أن البرد أغلب على مزاجه ، واستشهدوا على ذلك بكلام لجالينوس ظنوا أنه مطابق لقولهم موافق لدعواتهم ، لان جالينوس قال : إذا أردت أن تهيج القئ ، فأطعم الدماغ بعد الطعام بوقت كثير ، ولذلك وجب أن لا يستعمله من كانت شهوته ناقصة مقصرة .
وأما ما استدلوا به على برودة الدماغ من فعله ، فإنهم قالوا : لما وجدنا الدماغ ينبوع الحس والحركة ، اتضح أنه في طبيعته بارد رطب ، لأنه لو كان حارا على دوام حركته لالتهب واحترق وفسدت جوهريته ، وهلك الحيوان من قرب .
فأفسدنا عليهم بهذه الدعاوي من جهتين ببرهانين : أحدهما : صناعية ، والآخر [٣] قياسية .
فأما من الصناعية ، فإنا قلنا لهم : إن الدماغ ، وإن كان رطبا في المعدة وبعيد الانهضام مفسدا لشهوة الطعام ، فإن ذلك ليس من برده ، لكن من رطوبته ولزوجته وتوسطه بين طبيعة الشحم والدسم . ولو وجب في الدماغ أن يكون باردا لبعد انهضامه وإبطائه في المعدة وإفساده لشهوة الغذاء ، لوجب في الشحم أيضا أضعاف ذلك ضرورة . إذ كان أخص ببعد الانهضام والابطاء في المعدة وإفساد الشهوة من الدماغ كثيرا لأسباب قد قدمنا ذكرها مرارا .
وأما ما استشهدوا به من قول جالينوس حيث يقول أنه متى أردت أن تهيج القئ ، فأطعم الدماغ بعد الطعام بوقت كثير ، فإنهم لو فحصوا عن هذا القول فحصا شافيا ، لعلموا أن جالينوس لم يلزم الدماغ هذه الخاصة لبرده ، لكن لرطوبته ولزوجته ، إذ الرطوبة أخص بما ذكرنا من أمر البرودة ، لان من شأن البرودة الجمع والحصر والتقوية والتنبيه لشهوة الطعام ، لمجانستها للشهوة بالطبع . ولذلك صار الماء زائدا في شهوة الطعام والحامض ناقصا منها . وأما الرطوبة واللزوجة فمن شأنهما أن تختلطا [٤] بالغذاء وتحدثا [٥] فيه غلظا وتمنعا من هضمه . فإن اتفق فيها ، مع ذلك ، أدنى حرارة ودهنية ، عاما وعوما الطعام معهما وهيجاه إلى الخروج من فوق . وإن كان معهما أدنى برودة ، ثقل جرمهما وهبط سفلا وأزلق الطعام وهيجه إلى الخروج من أسفل بسرعة . وقد يستدل على ذلك من الماء والهواء لان الماء لما كان مع رطوبته باردا ، ثقل وهبط سفلا . والهواء لما كان مع رطوبته حارا ، خف وعام وترقى صعدا .
وأما ما رددنا به عليهم من القياس ، فمن قول الفيلسوف [٦] ، لان الفيلسوف قال في كتابه المعروف بكتاب ( طبائع الحيوان ) قولا هذا معناه : إن الدماغ لما كان ينبوع الحس والحركة ، والحس
[١] في الأصل : باردا .
[٢] في الأصل : مفسد .
[٣] في الأصل : الأخرى .
[٤] في الأصل : تختلطان .
[٥] في الأصل : تحدثان .
[٦] يعني أرسطو .