رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ١٠٣ - الفصل التّاسع فى بقائها
و أقول أيضا: إنّ شيئا [١] آخر لا يعدم النفس البتة؛ و ذلك أنّ كلّ شيء من شأنه أن يفسد بسبب ما ففيه [٢] قوة أن يفسد، و قبل الفساد ففيه فعل أن يبقى. و محال أن يكون من جهة واحدة [٣] و فى شيء واحد قوة أن يفسد و فعل أن يبقى، بل تهيؤه للفساد ليس بفعله [٤] أن يبقى؛ فإنّ [٥] معنى القوة مغاير لمعنى الفعل، و إضافة هذه القوة مغايرة لإضافة هذا الفعل، لأنّ إضافة ذلك إلى الفساد، و إضافة هذا إلى البقاء؛ فإذن لأمرين مختلفين فى الشيء يوجد هذان المعنيان، فنقول: إنّ الأشياء المركبة و الأشياء البسيطة التى هى قائمة فى المركبة، يجوز أن يجتمع فيها فعل أن يبقى، و قوة أن يفسد؛ و فى الأشياء البسيطة المفارقة الذات، فلا يجوز أن يجتمع هذان الأمران.
و أقول [٦] بوجه مطلق: إنه لا يجوز أن يجتمع فى شيء أحدىّ الذات هذان المعنيان؛ و ذلك لأنّ كلّ شيء يبقى و له قوة أن يفسد، فله [٧] أيضا قوة أن يبقى، لأن بقاءه ليس بواجب ضرورى. و إذا لم يكن واجبا كان ممكنا؛ و الإمكان هو طبيعة القوة؛ فإذن يكون له فى جوهره قوة أن يبقى، و فعل أن يبقى لا محالة ليس هو قوة أن يبقى منه؛ و هذا بيّن.
فيكون إذن فعل أن يبقى منه أمرا [٨] يعرض للشىء الّذي له قوة أن يبقى منه. فتلك القوة لا تكون لذات ما بالفعل، بل للشىء الّذي يعرض لذاته [٩] أن يبقى بالفعل، لا بوجود ذاته،
[١] شيئا: سببا-، س.
[٢] ففيه: فيه-، س.
[٣] واحدة: ساقطة من-.
[٤] بفعله: لفعله ح، س
[٥] فإن: فإذن ح.
[٦] و أقول: فأقول ح.
[٧] فله: و له ح.
[٨] أمرا: أمر-، ح.
[٩] لذاته: له ح، س.