رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٥ - فى تحقيق المخطوط
فى تحقيق المخطوط
- ١-
لا يخلو فيلسوف من كلام فى النفس الإنسانية، لأنها أقرب الأشياء إلينا، و هى إلى ذلك القرب شديدة الغموض. و كلما خيّل إلى المفكرين أنهم قد ازدادوا بها علما، و بلغوا حقيقة أمرها، و كشفوا سرها، و عرفوا جوهرها، إذا بهم يجدون ذلك العلم سرابا، و الجوهر مظهرا خلابا. و لا نزال إلى اليوم حيث كان سقراط و أفلاطون و أرسطو، بل أشد عن الحقيقة بعدا. و لذلك ضرب العلم الحديث صفحا عن طلبها، و اكتفى بتحليل الظواهر النفسية، و ترك للفلاسفة ميدان الجوهر يسلكون إليه السبيل، عسى أن يصلوا يوما ما إلى معرفة حقيقة النفس.
و قد طلب ابن سينا معرفة النفس منذ صدر شبابه، لأنّ «من عرف نفسه فقد عرف ربه [١]» كما حدثنا فى رسالة القوى النفسانية التى ألفها للأمير نوح بن منصور، فكانت أول مؤلفاته. و إذا كان الشيخ الرئيس قد استهل حياته الفكرية برسالة فى النفس، فقد اختتمها أيضا بعد أربعين سنة من تأليف ذلك الكتاب، برسالة صغيرة فى النفس الإنسانية [٢]. و ألّف فيما بين ذلك خلال هذه السنوات كثيرا من الرسائل النفسية، و كذلك الفن السادس من طبيعيات الشفاء، و هو كتاب النفس الّذي يعد أو فى ما كتب فى هذا الباب.
و الدليل على أهمية كتاب النفس السينوى، و على أثره العظيم فى العصر الوسيط، أنه نقل إلى اللاتينية، فانتشر بين فلاسفة أوربا انتشارا كبيرا، تشهد بذلك المخطوطات الباقية
[١] هدية الرئيس للأمير، مطبعة المعارف ١٣٢٥ ه، ص ١٦.
[٢] نشرت هذه الرسالة عن النسخة الخطية الوحيدة الموجودة فى مكتبة ليدن، و ذلك فى عدد مجلة الكتاب الخاص بابن سينا، ابريل ١٩٥٢ ص ٤١٩، و هى بعنوان رسالة فى الكلام على النفس الناطقة.