رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٤٠ - فى موضوع الكتاب
لا غرابة أن يجيء ختام الرسالة بعد بحث أحوال النفس المختلفة، و مراتبها المتفاوتة، و ضروب أفعالها و قواها، فى الغاية القصوى التى ينبغى على الإنسان أن ينالها، و هى السعادة.
و السعادة على أنواع، منها ما هو للبدن و النفس معا، و منها ما هو للنفس فقط؛ و لما كانت النفس على انفرادها، نعنى النفس الناطقة حين مفارقتها أعلى مرتبة من النفس الإنسانية و هى متصلة بالبدن، فالسعادة التى للنفس الناطقة أعلى مرتبة من السعادة البدنية. و لم يفصل ابن سينا هذه السعادة الأخيرة، لأنها كما يقول: «مفروغ منها فى الشرع».
و لكنه بحث فى السعادة الفلسفية، التى تليق بالحكماء، و هى السعادة الحقة التى للنفس.
ثم مهد لهذه السعادة بالنظر فى اللذة الحسية التى يعرفها الإنسان بالتجربة و المشاهدة، و ارتفع من ذلك «بالقياس» إلى إثبات السعادة الحقة. و هناك أصول أربعة يبنى عليها الشيخ ما سوف ينتهى إليه من حال السعادة الحقة، و هذه الأصول مستمدة من التجربة الحسية.
(١) لكل قوة لذة تخصها، فلذة الشهوة ملاءمة الكيفيات المحسوسة، و لذة الغضب الظفر، و لذة الوهم الرجاء ..... و لذتها هو حصول كمال هذه القوة.
(٢) مراتب اللذات مختلفة، منها ما كماله أتم و أفضل، و ما كماله أكثر، و ما كماله أدوم، و ما كماله أوصل إليه و أحصل له، و ما هو فى نفسه أكمل فعلا و أفضل، أما الّذي هو فى نفسه أشد إدراكا فاللذة أبلغ له و أوفى لا محالة.
(٣) ليس «الشعور» شرطا فى معرفة اللذة، بل قد تكون اللذة موجودة و متصورة و لكنها غير متحققة بالشعور، مثل العنين فإنه متحقق أنّ للجمال لذة، و كذلك الأصم لا يشعر بلذة الألحان و لكنه متيقن لطيبها.
(٤) قد يعوق أى قوة عن لذتها عائق عارض، كالمرض و الخوف قد يعوقان لذة القوة العاقلة، أو كالمرور لا يحس بمرارة الشيء فى فمه.