رسالة في النفس و بقائها و معادها - ابن سينا - الصفحة ٣٥ - فى موضوع الكتاب
فإذا وجدت النفس، فإنها لا تموت بموت البدن، بل تبقى.
و الأدلة على بقائها كثيرة؛ ذلك أن تعلق النفس بالبدن إما تعلق المتقدم عنه، و إما تعلق المكافئ، و إما تعلق المتأخر عنه.
فإن تعلقت به تعلق المتقدم، فإما أن يكون التقدم بالزمان، و قد أبطلناه، و إما بالذات و فى هذا استحالة لأن عدم المتأخر يستلزم عدم المتقدم. و نتيجة ذلك أنه لا تعلق للنفس بالبدن، بل تعلقها بالمبادئ العالية التى تفيض عنها، و هى العلل المفارقة. و المقصود بالعلل المفارقة العقل الأخير، لأن النفس لا تسمى نفسا إلا إذا اتصلت بالبدن، و لذلك تسمى المحركات للأجرام السماوية نفوسا لا عقولا. و تسمى محركات الأبدان الإنسانية نفوسا، فإذا فارقت سميت عقولا. و هذا هو التمييز بين النفس و العقل.
و إن تعلقت النفس بالبدن تعلق المكافئ فى الوجود، فهما إذن جوهران لا جوهر واحد، فإذا فسد البدن لم يلزم أن تفسد النفس.
و إن تعلقت به تعلق المتأخر عنه، فالنفس معلولة للبدن، و هذا إما أن يكون كعلة فاعلية أو قابلية أو صورية أو كمالية. و ليس البدن علة فاعلية للنفس لأن الجسم يفعل بقواه.
و ليس علة قابلية، لأن الأجسام أعراض لا تفيد الصور. و ليس علة صورية، لأن النفس هى الصورة، و هى التى تضاف إلى المادة و تمنحها الوجود. و ليس كذلك علة كمالية، بل الأولى أن يكون بالعكس. و بذلك يتبين أن النفس ليست علة للبدن، و لا البدن علة النفس.
و برهان آخر على بقاء النفس، هو أن الفاسد فيه وقت وجوده قوة أن يفسد، و فيه قبل الفساد قوة أن يبقى. و هاتان القوتان، أن يبقى و أن يفسد، هما للمركب؛ أما النفس فبسيطة لأنها لا تنقسم و ليست بمركبة، فليس فيها قوة أن تبقى و أن تفسد، كما يكون ذلك للبدن لأنه مركب من مادة.
ثم تعرض ابن سينا فى غاية الإيجاز لإبطال القول بالتناسخ، و أدلته هى الأدلة على عدم