شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧٠ - المسألة الثانية فى تحقيق الكلام فى قولنا الجوهر موجود لا فى موضوع
و المعنى: ان اللّه تعالى أخذ فرعون و جنوده للاهلاك بالغرق فى اليم، دلالة على قدرة اللّه و عظمته. فلما أدركه الغرق و أسلم بعد ما عاين هلاك جنوده، نجا باسلامه من الغرق و من التنكيل. و صارت حاله فى استسلامه و ضياع هيبته و قوته، كمن نكل به. فيكون المعنى: أخذ اللّه قومه نكال الآخرة و الأولى. و هو قد كان داخلا. لكن لما أسلم خرج باسلامه عن قومه.
و قد جاء فى القرآن: «فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس» و القرية غير الشخص الواحد. فالقرية لما آمنت، نجت من الهلاك.
و هذا يدل على أن آل فرعون لم يؤمنوا من قبل الغرق- لأن يونس بعد موسى، و كان على شريعة موسى- فلذلك لم ينفعهم الايمان. أما حال الغرق. فلم يكن فرعون فى مقدمة الجنود، بل كان بعيدا عنهم فى المؤخرة.
فلما شاهدهم يغرقون و كانت عنده الفرصة لينطق بالشهادتين، نطق بها. و عندئذ ارتفع عنه النكال، و لم يرتفع عن قومه. و قوم يونس ارتفع عنهم النكال، لأنهم آمنوا قبل وقوعه، لا حال وقوعه. و فرعون ارتفع عنه النكال لأنه آمن قبل وقوعه عليه. لأنه كان فى مؤخرة الجنود المحاربين.
و لم يقع عليه النكال بعد. و قال بعض المفسرين أن الأولى: هى قول فرعون: «ما علمت لكم من إله غيرى» و الآخرة هى قوله: «أنا ربكم الأعلى» و كان بينهما أربعون سنة. و قولهم هذا على أن فرعون كان «إلها» يعبد مثل الأصنام و الشمس و القمر. و قوله: «و يذرك و الهتك» يرد قولهم لأنه يدل على أن «من إله غيرى» معناه: من سيد. و يدل غيرى «أنا ربكم» أى سيدكم. و مدة الأربعين تحتاج الى دليل. و هو غير موجود.
و فى التوراة: أن الفرعون الذي أذل و استعبد بنى اسرائيل.
لم يكن من أسرة الفراعنة التي كان فى أيامها يوسف عليه السلام. ففى سفر الخروج: «ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف» و هذا يدل على أن غزاة فاتحين كانوا قد أتوا الى مصر و حكموها. و لما رأوا فيها بنى اسرائيل غرباء، خافوا منهم أن ينضموا الى أعدائهم من الأمم الأخرى، أو يتحالفوا عليهم مع المصريين أهل الأرض، أو مع آل فرعون الذين غلبوهم و أخذوا منهم الحكم. لذلك أذلوهم بأعمال شاقة و يقتل الذكور من أبنائهم. و فى القرآن ما يفهم منه ذلك. فان فرعون قال