شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٣ - المسألة السادسة فى بيان أن الممكن لا بد له من سبب
التفسير: حاصل هذا الكلام: أنه ادعى أن الممكن لذاته لا بد له من سبب، و لم يزد على هذا القدر البتة. فلنبين أن الكلام الذي ذكره لا فائدة فيه البتة:
أما قوله: كل ممكن الوجود لذاته اما أن يكون وجوده عن ذاته، أو عن غيره، أو لا عن ذاته، و لا عن غيره. فنقول: هذا التقسيم غير صحيح. لأن ممكن الوجود مفسر بأنه الذي لا يكون وجوده من ذاته. و على هذا يكون قوله: ممكن الوجود بذاته، اما أن يكون وجوده من ذاته، أو من غيره جاريا مجرى قول من يقول: الذي لا يكون وجوده من ذاته اما أن يكون وجوده من ذاته أو من غيره. و معلوم أن هذا الكلام سفه باطل.
بل الواجب أن يقال: ممكن الوجود هو الذي لا يكون وجوده من ذاته، و كل ما لا يكون وجوده من ذاته، اما أن يكون وجوده من غيره أو لا يكون من غيره. فان كان وجوده من غيره فهو المطلوب. و ان كان لا من ذاته و لا من غيره، ف «الشيخ» لم يذكر فى ابطال هذا القسم الا قوله:
و ما ليس له وجود لا عن ذاته و لا عن غيره فليس له وجود. و معلوم أن هذا ليس دليلا على ابطال هذا القسم، بل هو اعادة لعين الدعوى، فلا يكون فى ذكره فائدة البتة.
فقد ظهر أنه لم يذكر فى هذا الفصل الا مجرد الفتوة بأن الممكن لذاته، لا بد له من مؤثر. فاذا كان حاصل الكلام هذا القدر، فما الفائدة فى ذكر تلك التقسيمات الكثيرة، و الترديدات الطويلة، لا سيما فى مثل هذا الكتاب الصغير؟
و اعلم: أن جمهور العقلاء اتفقوا على أن الممكن لا بد له من مرجح، ثم اختلفوا فمنهم من قال العلم بافتقار الممكن الى المرجح علم بديهى، و منهم من قال: انه علم استدلالى. أما الأولون فقالوا: انا متى استحضرنا فى عقولنا: أن الوجود و العدم بالنسبة الى الماهية. سببان تضيء العقل بأنه لا رجحان لأحدهما على الآخر الا بسبب منفصل. و أما القائلون بأنه