شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٤ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
الدليل الرابع: قوله تعالى: «يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعى الى ربك راضية مرضية. فادخلى فى عبادى و ادخلى جنتى» فقد وصفها بالرجوع و الدخول و الرضا. و اختلف السلف هل يقال لها ذلك عند الموت أو عند البعث أو فى الموضعين؟ على ثلاثة أقوال.
الرد عليه: النفس المطمئنة هى الانسان المطمئن بما قدره اللّه تعالى و ما أجراه عليه فى الدنيا، أى المستسلم لأمره، المطمئن بعدله و رحمته.
و ليست النفس هى الروح وحدها، حالة كونها منفصلة عن الجسد.
أ لا ترى أن قوله تعالى: «فسلموا على أنفسكم» لا يدل على سلام على النفس وحدها و هى منفصلة عن الجسد. فكذلك النفس المطمئنة. ثم اختلاف السلف- كما نقل ابن القيم- دليل على أن النفس هى الجسد و الروح معا. فانه اذا قيل لها عند الموت. كان القول لها و للجسد، لأنها لم تنفصل بعد عن الجسد، و اذا قيل لها عند البعث. فقد حيى الجسد و حلت فيه الروح. و لو أن «ابن القيم» أصر على قوله بأن النفس المطمئنة هى المفصلة عن الجسد. لكان دخولها فى الجنة فى قوم القيامة حالة كونها منفصلة عن الجسد- فيكون النعيم للروح و ليس للجسد- و هذا لم يقل به الا الفلاسفة المصرحون بالبعث الروحانى فقط.
أى ان اللّه تعالى قال للنفس المطمئنة «ادخلى جنتى» فهل تدخل النفس وحدها أم تدخل النفس و الجسد؟. اذن النفس المطمئنة هى الروح و الجسد. و الاطمئنان صفة لها.
الدليل الخامس: قوله تعالى: «أن الذين كذبوا بآياتنا، و استكثروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء» يقول ابن القيم: و هذا دليل على أن أرواح المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء. و هذا التفتيح هو تفتيحها لأرواحهم عند الموت.
الرد عليه: ان التعبير بقوله «لا تفتح لهم أبواب السماء» هو كناية عن بعدهم عن رحمة اللّه. كما يقال: افتح لى أبواب رحمتك و افتح لى أبواب الخير. و ليس التعبير هذا نصا فى أرواح مفارقة لأجسادها.
هذه هى الأدلة القرآنية عند «ابن قيم الجوزية» و الرد عليها.
و أما آية الشهداء و أنهم أحياء عند ربهم يرزقون فان العندية ليست للقرب المكانى، لاستحالته، و انما المعنى: سيصيرون فى الآخرة أحياء.