شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٣ - المسألة الثانية فى اثبات السعادة الروحانية
الدليل الثاني: «و لو ترى اذ الظالمون فى غمرات الموت. و الملائكة باسطوا أيديهم. أخرجوا أنفسكم. اليوم تجزون عذاب الهون» الى قوله تعالى: «و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة» و فيها أربعة أدلة: ١- بسط الملائكة أيديهم لتناولها. ٢- وصفها بالاخراج و الخروج ٣- الاخبار عن عذابها فى ذلك اليوم ٤- الاخبار عن مجيئها الى ربها.
الرد عليه: ان قوله «أخرجوا أنفسكم» نص متشابه يحتمل معنيين.
أولهما: اخراج الجسد و الروح معا من هذه المشقة. و مثل ذلك ما لوقع انسان فى بحر و أدركه الغرق، و صاح عليه انسان و قال له: أخرج نفسك من الماء. و ثانيهما: اخراج الروح وحدها من الجسد. و على المعنى الأول يكون بسط اليد كناية عن استعدادهم لتوفية أجره و ختم صحيفة أعماله.
و على المعنى الثاني يكون بسط اليد لأخذ الروح. و المعنى الأول هو المراد لقوله فيما بعد: «و لقد جئتمونا» و المجيء للروح و للجسد معا فى الآخرة لا كما فهم «ابن القيم» من أن المجيء للروح وحدها. لأنه جاء بعد المجيء: «و تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم. و ما نرى معكم شفعاءكم. الذين زعمتم: أنهم فيكم شركاء» و المخاطب بترك الأشياء، وراء الظهور، و تخليهم عن الشفعاء هو الجسد و الروح. لأن الروح لا ظهر لها.
الدليل الثالث: قوله تعالى: «و هو الذي يتوفاكم بالليل. و يعلم ما جرحتم بالنهار. ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى، ثم اليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون و هو القاهر فوق عباده و يرسل عليكم حفظة، حتى اذا جاء أحدكم الموت، توفته رسلنا و هم لا يفرطون. ثم ردوا الى اللّه مولاهم الحق» فقد أخبر بتوفى الأنفس بالليل، و يبعثها الى أجسادها بالنهار، و بتوفى الملائكة له عند الموت.
الرد عليه: ليس فى الآيات ذكر للنفس. و لكنه فهم أن المراد منها النفس من شبهها بآية «اللّه يتوفى الأنفس حين موتها» و الذي قلناه فيها يصح أن يقال فى هذه الآيات. مع أن هذه الآيات لا تخاطب النفس فقط، بل تخاطب الانسان بجسده و روحه. فمرجع الانسان الى اللّه لينبئه بأعماله هو للجسد و للروح. ورد الناس الى اللّه مولاهم الحق، ليس بأرواحهم فقط. و ليس بروح زائدة.