أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٠٥ - حسن بن الشيخ محمود الميرزا الشيرازي
والشيخ زين العابدين المازندراني الحائري والميرزا حسين ابن الميرزا خليل الطهراني والسيد كاظم اليزدي وغيرهم لكن جمهور الناس كان مقلدا له.
وبلغ من الرئاسة وجلالة الشأن مبلغا لم يكن لاحد من الامراء والملوك في أيامه. وجبيت اليه الأموال من أقصى الصين وما وراء النهر فما دون ذلك فكان ينفقها في وجوهها سخي النفس بها ومات ولم يخلف لأولاده عقارا ولا ثروة وكان كثير الرفق بالطلاب والحنو عليهم حسن العشرة معهم جزيل الاحترام والضيافة لهم يشاور أكابرهم ويشركهم في آرائه وافر العطاء ينفق الأموال في وجوهها ويعول ألوفا من الناس في سائر البلاد منهم أربعمائة أو أكثر من طلاب العلم والعلماء وله وكلاء في الأطراف يرسل إليهم دفاتر بأسماء العلماء الذين في نواحيهم ليبثوا فيهم العطاء وله عناية بالمجاورين في المشاهد الشريفة ويعول سرا جماعات من أهل البيوتات ومن التجار اخنى عليهم الدهر فينفق عليهم بدون ان يعلم بذلك أحد فلما توفي فقدوا ذلك وضاقت بهم الحال ووصفه كثير ممن ترجموه أو ذكروا اسمه في مؤلفاتهم بالمجدد مشيرين بذلك إلى الحديث المعروف إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. وألف الشيخ آقا بزرگ الطهراني كتابا مستقلا في ترجمته.
مبدأ امره وكيفية تحصيله ومنتهى امره نشا في مدينة شيراز وكان من أهل بيت يلون الامر في ديوان دولة فارس في شيراز ثم ترك العمل في ديوان شيراز واشتغل بطلب العلم وبعد ما قرأ العلوم الآلية وشطرا من السطوح واستغنى عن القراءة في شيراز خرج إلى أصفهان سنة ١٢٤٨ أو ١٢٤٣ وهي دار العلم يومئذ فقرأ على الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم مدة قليلة وبعد وفاة المذكور في هذه السنة اختص بالسيد حسن البيدابادي الشهير بالمدرس وشهد المذكور بفضله ولما يبلغ العشرين وحضر درس الملا محمد إبراهيم الكلباسي أيضا وأكثر اخذه عن المدرس.
ثم توجه إلى العراق فورد النجف سنة ١٢٥٩ وكان عازما على الرجوع إلى بلاد إيران اكتفاء بما حصله في أصفهان ولكنه لما ورد النجف ولقي الشيخ مرتضى الأنصاري وكانت الرحلة اليه وحضر درسه وجد نفسه محتاجا إلى ما عنده فعزم على البقاء في النجف.
وسمع في النجف من صاحب الجواهر في آخر أيامه ونص على اجتهاده في كتاب كتبه إلى والي فارس ومن الشيخ مشكور الحولاوي ومن الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر صاحب أنوار الفقاهة ومن السيد علي التستري وسمع في كربلاء من صاحب الضوابط ولكن عمدة قراءته ومعظمها على الشيخ مرتضى الأنصاري فلازم درسه من ذلك التاريخ إلى سنة ١٢٨١ التي توفي فيها الأنصاري وهو نحو ٢٢ سنة فقها وأصولا واكب على النظر في مطالبه ففهمها وحذقها وتوغل فيها وزاد عليها حتى صار من أشهر المدرسين والمقرئين وتهافت عليه الناس وكان من وجوه تلاميذه بل أوجهم وصار يشار اليه بين تلاميذه وينوه الشيخ بفضله ويعظمه في مجلس الدرس ويرى فيه مخايل الرئاسة وسمو المرتبة في العلم والفضل وإذا تكلم في أثناء الدرس يصغي إلى كلامه ويأمر الحاضرين بالسكوت قائلا ان جناب الميرزا يتكلم وأشار غير مرة إلى اجتهاده لأنه لم يكن يصرح باجتهاد أحد كما يقال كما أنه كان يعظم شيخه الأنصاري كلما ذكر.
ولما توفي الأنصاري تساءل الناس عن أفضل تلاميذه ليقلدوه فاجتمع أفاضل تلاميذه من العرب والعجم في دار الميرزا حبيب الله الرشتي قال الميرزا حسن الآشتياني فاتفقنا على تقديم الميرزا الشيرازي المترجم وكان بينهم يومئذ الآقا حسن النجمابادي والميرزا عبد الرحيم النهاوندي والميرزا الرشتي والآشتياني وهم وجوه تلاميذ الأنصاري فقدموه في الدرس والصلاة وصاروا يرشدون الناس اليه وجعل يترقى ويتقدم.
اما الترك فقدموا السيد حسين الكوهكمري المعروف بالسيد حسين الترك وأرشدوا أبناء جلدتهم إلى تقليده.
ما جرى له مع الشاه ناصر الدين.
في سنة ١٢٨٧ زار الشاه ناصر الدين القاجاري العتبات المقدسة في العراق وكان الوالي على بغداد مدحت باشا الشهير فلما قصد الشاه كربلاء خرج لاستقباله علماؤها جميعهم إلى المسيب فسلم عليهم وهو راكب ومضى ولما ورد النجف الأشرف خرج أيضا لاستقباله علماؤه بعضهم إلى خان الحماد في منتصف الطريق وبعضهم إلى خان المصلى على ثلاثة فراسخ من النجف فسلم عليهم راكبا أيضا ومضى فلما دخل النجف حضر جميع العلماء لزيارته الا المترجم فلم يخرج لاستقباله ولم يزره فأرسل إلى كل واحد مبلغا من النقود فقبله وارسل إلى المترجم فلم يقبل فأرسل الشاه وزيره حسن خان اليه يعاتبه ويطلب منه ان يزوره فأبى فقال له الوزير لا يمكن ان يجئ ملك إيران إلى النجف ولا يراك فهل تترقب ان يجئ الشاه لزيارتك فقال له انا رجل درويش ما لي وللملوك فقال هذا لا يمكن ولما ألح عليه قال اجتمع معه في الحضرة الشريفة العلوية فاجتمعا هناك وصافحه الشاه وقال له تفضل وزر لنزور بزيارتك فتلا المترجم الزيارة وتابعه الشاه وافترقا وزادت منزلة المترجم بذلك علوا عند الشاه وعند كافة الناس وكان ذلك أول ما ظهر من مخايل كياسته وبعد نظره في الأمور.
ادراره العطاء وحجه ولما كانت سنة ١٢٨٨ صار قحط وغلاء في النجف وسائر البلاد فتعهد الناس وطلاب العلوم في البلد وأدر عليهم العطاء ولم يطل ذلك حتى جاء الرخاء. وحج بيت الله الحرام في حدود تلك السنة عن طريق نجد.
هجرته إلى سامراء خرج من النجف إلى سامراء للمجاورة فيها في شعبان سنة ١٢٩١ ووصلها في ٢١ منه وأمضى فيها ٢١ سنة.
سبب هجرته إليها قيل إن سبب ذلك أنه لما صار الغلاء في النجف سنة ١٢٨٨ وصار يدر العطاء على أهلها كما مر ثم جاء الرخاء عن قريب جعل الناس يكثرون الطلب عليه وجعل بعض أعيان النجف يفتل في الذروة والغارب لينفر الناس منه فتضايق من ذلك وخرج إلى كربلاء في رجب سنة ١٢٩١ ثم توجه إلى الكاظمية فسامراء ودخلها في شعبان من تلك السنة واقام فيها أياما