أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١١١ - حروبه
عيسى فنزل الحيرة وفي اليوم الثاني اقتتلوا إلى الليل ثم اقتتلوا في اليوم الثالث ثم اصلح بينهم رؤساء أهل الكوفة على أن يخرج العباس وأصحابه منها بالأمان ودخلها عيسى وأصحابه. وامر إبراهيم بن المهدي عيسى ان يسير إلى ناحية واسط وامر آخرين من القواد بذلك فعسكروا قرب واسط فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن بواسط كل يوم فلا يخرج إليهم أحد وهم متحصنون بالمدينة ثم خرج إليهم الحسن وأصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الظهر وانهزم عيسى وأصحابه.
وزارة الحسن بن سهل للمأمون بعد قتل أخيه الفضل قال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة ٢٠٢ فيها سار المأمون من مرو إلى العراق لأن علي بن موسى اخبره بما فيه من الفتنة منذ قتل الأمين وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الاخبار وان أهل بيته والناس بايعوا إبراهيم بن المهدي وان الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وإبراهيم والناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك أقول وهذا وفاء من الإمام الرضا ع ونصيحة للمأمون وان كان الفضل واخوه يتشيعان لأن المفسدة في ترك ذلك عظيمة فاثر الإمام الرضا ع المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. قال الطبري وابن الأثير فقال المأمون ومن يعلم ذلك قال وجوه العسكر فأخبروه لما امنهم من الفضل بالبيعة لإبراهيم بن المهدي وان أهل بغداد سموه الخليفة السني واتهموا المأمون بالرفض لمكان علي بن موسى منه وأعلموه بما هو عليه الفضل من امر هرثمة بن أعين وان هرثمة انما جاءه لينصحه فقتله الفضل وان طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته فأخرج من الأمر كله وجعل في زاوية من الأرض بالرقة لا يستعان به في شئ وانه لو كان ببغداد لضبط الملك فامر المأمون بالرحيل فلما اتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل فقتلوه في الحمام فقتلهم المأمون وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل واعلمه ما دخل من المصيبة بقتل الفضل وانه قد صيره مكانه فلم يزل الحسن بواسط حتى أدركت الغلة وجبى بعض الخراج اه.
اخباره حين تزوج المأمون ابنته بوران في كتاب تجارب السلف تأليف هندوشاه بن سنجر بن عبد الله النخشواني ما تعريبه ان المأمون خطب بوران بنت الحسن بن سهل فزوجه إياها عمها الفضل بن سهل وعقد عليها غرة المحرم سنة ٢٠٢ اه وينبغي ان يكون هذا العقد في خراسان وهي مع أبيها في العراق وقال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة ٢٠٢ فيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل ثم ذكرا في حوادث سنة ٢١٠ انه في هذه السنة بنى المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل اه. فدل ذلك على أن التزويج كان أولا مجرد الإملاك ثم بنى بها بعد الإملاك بثمان سنين بعد ما جاء من خراسان إلى العراق وكان بناؤه بها بفم الصلح قال ابن خلكان فم الصلح بفتح الفاء بعدها ميم وكسر الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة حاء مهملة وهي بلدة قريبة من واسط كذا ذكره السمعاني وقال العماد الكاتب في الخريدة الصلح نهر كبير يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة وقد علا النهر وآل امر تلك المواضع إلى الخراب قال ابن خلقان والعماد بذلك اخبر من السمعاني لأنه أقام بواسط زمانا طويلا متولي الديوان بها اه. وفي معجم البلدان الصلح نهر كبير فوق واسط بينها وبين جبل عليه عدة قرى وفيه بنى المأمون ببوران اه. فيظهر أن الصلح اسم للنهر وفم الصلح يمكن ان يكون هو مخرجه من دجلة وعلى فمه قرية تسمى فم الصلح وبها دار الحسن قال الطبري في حوادث سنة ٢١٠ شخص المأمون حين شخص إلى هنالك للبناء ببوران راكبا زورقا حتى أرسى على باب الحسن وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه على الظهر فتلقاه الحسن خارج عسكره في موضع قد اتخذ له على شاطئ دجلة بني له فيه جوسق فلما عاينه العباس ثنى رجله لينزل فحلف عليه الحسن ان لا يفعل فلما ساواه ثنى رجله الحسن لينزل فقال له العباس بحق أمير المؤمنين لا تنزل فاعتنقه الحسن وهو راكب ودخلا جميعا منزل الحسن ووافى المأمون في وقت العشاء وذلك في شهر رمضان من سنة ٢١٠ فأفطر هو والحسن والعباس وفي الليلة الثالثة دخل ببوران وفي تجارب السلف وغيره انها ليلة الزفاف كانت حائضا فقالت يا أمير المؤمنين اتى امر الله فلا تستعجلوه ففهم مرادها وهذا كان سبب تأخير دخوله بها إلى اليوم الثالث وعد ذلك من فصاحتها وحسن كنايتها وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منافي تور من ذهب فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال هذا سرف وهكذا كانت تنفق أموال الأمة في السرف والملاذ والشهوات وكم في الأمة من يتيم أو فقير بيت جائعا ولا يجد القوت قال وذكر ان المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوما وقيل أكثر يعد له في كل يوم ولجميع من معه جميع ما يحتاج اليه وان الحسن خلع على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم وكتب الحسن رقاعا فيها أسماء ضياعه ونثرها على القواد وعلى بني هاشم فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم بعث فتسلمها وفي الفخري انه جعل الرقاع في بطاطيخ من عنبر قال الطبري وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم وامر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه ان يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس واقطعه الصلح فحملت اليه ففرقها في قواده وأصحابه وحشمه فلما انصرف المأمون شيعه الحسن ثم رجع إلى فم الصلح وفي تجارب السلف ان الحسن بن سهل كان قد بنى مدينة في الموضع المعروف بفم الصلح واقام فيها وبعد ما جاء المأمون إلى بغداد ذهب إلى فم الصلح بجميع أهله وعسكره ونزل هناك فعمل له الحسن بن سهل ولجميع عسكره دعوة عظيمة لم يرو ولم يسمع بمثلها جمعت أنواع المآكل والمطاعم الشريفة الكثيرة التي عجز الناس عن حملها ويقال ان المتوكل عمل دعوة عظيمة اجتمع عليها خلق كثير فلما جلسوا على السماط قال المتوكل انظروا هل هنا أحد ممن رأى دعوة فم الصلح وكان هناك شيخ طاعن في السن فقال انا رأيتها فقال له المتوكل كيف دعوتنا هذه بالنسبة إليها فسكت الشيخ فقال المتوكل قل ما عندك ولا تخف فقال أقول مختصرا أو مطولا فقال بل مختصرا فقال الشيخ يا أمير المؤمنين لما فرع الناس من الطعام ذلك اليوم وذهبوا إلى مواضعهم بقي تل عظيم من القلوب والكروش والريش وغيرها وتعفن وبقوا مدة ينقلونه على الدواب والجمال ويلقونه في دجلة ووضعوا الصحون امام الناس وكلها من لحوم الدجاج فندم المتوكل على هذا السؤال وأغلق الباب. وبالجملة كان مع المأمون لما ذهب إلى فم الصلح أربعة آلاف ملاح يسيرون السفن. ومن هنا يعلم كم كان عدد الخواص والخدم والعساكر الذين ركبوا في السفن وهؤلاء الجماعة كلهم بقوا مدة في ضيافة الحسن بن سهل اه. وحكى ابن خلكان في تاريخه وغيره انه فرش للمأمون في دار الحسن بن سهل حصير منسوج بالذهب فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلئ كثيرة فقال قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد