الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٢ - باب أنّ الفطرة على التوحيد
هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به يدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه و هو مظهر لغيره انظر كيف تصور استهام أمره بسبب ظهوره لو لا طريان ضده فإذن الرب تعالى هو أظهر الأمور و به ظهرت الأشياء كلها و لو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السماوات و الأرض و بطل الملك و الملكوت و لأدركت التفرقة بين الحالتين و لو كان بعض الأشياء موجودا به و بعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة و لكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد و وجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه فلا جرم أورث شدة الظهور خفاء فهذا هو السبب في قصور الأفهام و أما من قويت بصيرته و لم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا اللَّه و أفعاله و أفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة و إنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها و من هذا حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا و يرى فيه الفاعل و يذهل عن الفعل من حيث أنه سماء و أرض و حيوان و شجر بل ينظر فيه من حيث أنه صنع فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه و رأى فيه الشاعر و المصنف و رأى آثاره من حيث هي آثاره لا من حيث أنها حبر و عفص و زاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف فكل العالم تصنيف اللَّه تعالى فمن نظر إليها من حيث أنها فعل اللَّه عز و جل و عرفها من حيث أنها فعل اللَّه و أحبها من حيث أنها فعل اللَّه لم يكن ناظرا إلا في اللَّه و لا عارفا إلا بالله و لا محبا إلا لله و كان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا اللَّه.
بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث هو عبد اللَّه فهذا هو الذي يقال فيه أنه فني في التوحيد و أنه فنى من نفسه و إليه الإشارة بقول من قال كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها و قصور قدرة العلماء عن إيضاحها و بيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام و لاشتغالهم بأنفسهم و اعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم