الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٢ - باب طينة المؤمن و الكافر و ما يتعلق بذلك
و الأهواء المموهة الردية الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت مما لا أصل له و لا حقيقة ثم الصفوة من الطينة الطيبة عبارة عما غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك و الثفل منه غالب عليه أثر الملكوت منه و كدورة الطين المنتن الخبيث عما غلب عليه طبائع عالم الملك و ما يتبعه من الأهواء المضلة و إنما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمة ع مع أن أبدانهم العنصرية منه لأنهم لم يتعلقوا بهذه الدنيا و لا بهذه الأجساد تعلق ركون و إخلاد فهم و إن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصرية و لكنهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه.
قال الصادق ع في حديث حفص بن غياث يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها.
فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلية إذا ارتحلوا عنها و لم يبق معهم منها كدورة و إنما لم يذكر نصيب الناصب و أئمة الكفر من إفاضة عالم الجبروت مع أن لهم منه حظ الشعور و الإدراك و غير ذلك لعدم تعلقهم به و لا ركونهم إليه و لذا تراهم تشمئز نفوسهم من سماع العلم و الحكمة و يثقل عليهم فهم الأسرار و المعارف فليس لهم من ذاك العالمإِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [١]-نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [٢] فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم حين أخلدوا إلى الأرض و اتبعوا أهواءهم فإذا جاء يوم الفصل و يميز اللَّه الخبيث من الطيب ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت و أعلى الجنان و التحق بالمقربين و من غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت و مواصلة الحور و الولدان و التحق بأصحاب اليمين و بقي من غلب عليه الملك في الحسرة و الثبور و الهوان و التعذب بالنيران إذ فرق الموت بينه و بين محبوباته و مشتهياته.
فالأشقياء و إن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت خلقت بتبعيتها
[١] . الرعد/ ١٤.
[٢] . الحشر/ ١٩.