تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٩٦
أضاعوا و اختلوا و لو وفوهم الواجب لهم فى ذلك لصلحت أحوالهم و ضياعهم و اختلالهم إن لم يكن من تقصيرهم و إعراضهم فهو على من صرفت إليه أمورهم، و إن كان ذلك من قبل تخلفهم عن المفيدين و إعراضهم عن الفوائد و إقبالهم على الشهوات و أمر الدنيا و تقصيرهم فى الأعمال فذلك عليهم و ليس على المفيدين منه شيء إذا قاموا لهم بما يجب لهم عليهم، كما أن الفقراء فى الظاهر إذا قصدوا مطالب الدنيا من جهة الحرام و أعرضوا عن ابتغاء الصدقات عن الأغنياء و أهل الزكاة لم ينبغ لهم أن يعطوهم و كان التقصير بهم عن ذلك من قبلهم و تباعة ما اقترفوه فى ذلك عليهم. و يتلو ذلك ما جاء من النهى عن وضع الزكاة فى غير موضعها فذلك فى الظاهر لا يجوز و لا يجزى أحد أن يضع زكاة ماله فى غير موضعها و لا أن يدفعها إلا إلى إمام زمانه أو إلى من أقامه ولى الزمان لقبضها كما كان ذلك على عهد رسول اللّه (صلع) و سنه على ما أمره اللّه عز و جل فى كتابه؛ و تأويل ذلك فى الباطن أن طهارة أهل كل عصر و زمان إنما تكون عند إمام زمانهم و عند من أقامهم و نصبهم لطهارتهم فما كان من أعمالهم التى توجب الطهارة لهم لم يجزهم دفعها إلا إلى من يلى طهارتهم و تزكيتهم؛ لقول اللّه جل من قائل لنبيه محمد صلى اللّه عليه و على آله: «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا» [١]، و قال: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ» [٢]. و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلع) من تحريم الصدقة عليه و على أهل بيته فذلك كذلك هو فى الظاهر أن الصدقة لا تحل لرسول اللّه (صلع) و لا لأهل بيته لأنها غسالة ذنوب الناس و ما تطهروا به فنزه اللّه عز و جل عنها رسوله و الأئمة من ذريته و جعلهم أمناء عليها يأخذونها ممن وجبت عليه و يدفعونها إلى من وجبت له، و بذلك وصفهم اللّه عز و جل فى كتابه بقوله: «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا- يعنى الأئمة عليهم السلام- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» [٣]؛ فإقامتهم الصلاة فى التأويل إقامتهم دعوة الحق و إيتاؤهم الزكاة هو إيتاؤهم إياها من تجب له و ركوعهم طاعتهم للّه و لرسوله.
و يتلوه قول رسول اللّه (صلع): أول من يدخل الجنة من الناس شهيد و عبد مملوك
[١] سورة التوبة: ١٠٣.
[٢] سورة الجمعة: ٢.
[٣] سورة المائدة: ٥٥.