تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٣٢

الظاهر و على من يصل إليه ذلك تزكية من يقبضه منه و فكاك رقبته و صدقة الفطر تسمى زكاة الرءوس، لأنها تؤدى فى الظاهر عن كل رأس إنسان، و تأويل ذلك أن على كل إنسان ممن يؤدى ذلك أن يدفعه إلى رئيسه الّذي يفيده البيان و أن يعترف برياسته و رئاسة من فوقه من الحدود و أن يعلم أن طهارته بما ينال منه و يأخذ عنه و الّذي جاء من أن الواجب ألا يفطر الصائم يوم الفطر حتى يؤدى زكاة الفطر فذلك كذلك يجب فى الظاهر، و تأويله فى الباطن أنه لا يجوز له أن يفاتح أحدا بالبيان حتى يفك عن نفسه بأداء ما يلزمه فى ذلك و يأذن له فى المفاتحة رئيسه الّذي يلى أمره و إليه دعوته و تأويل ذلك ما قد تقدم ذكره من أن إخراج زكاة الفطر قبل صلاة عيد الفطر من السنة، فالصلاة كما ذكرنا مثلها مثل الدعوة فليس لأحد أن يدعو حتى يؤدى فكاكه الّذي مثله مثل زكاة الفطر و يؤذن له فى الدعاء، و سميت زكاة الفطر فطرة، و الفطرة فى اللغة ابتداء الخلقة و ذلك فى التأويل ابتداء المستجيب فى المفاتحة و الطهارة و معنى أداء زكاة الفطر عن العيال فى التأويل، و أن على الرجل أن يؤديها عن امرأته و عبيده و أولاده و جميع من يعوله و يلزمه النفقة عليه لأن ما وجب على هؤلاء أن ينفقوه فى معايشهم فى الظاهر فهو واجب على من وجب عولهم عليه و كذلك يلزمه ما يلزمهم فى الباطن و عليه النفقة عليهم ظاهرا و باطنا بقدر ما يجده و يمكنه و يستطيعه، كما قال اللّه جل ذكره: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ- أى ضيق رزقه- فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا مٰا آتٰاهٰا سَيَجْعَلُ اللّٰهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» [١] و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال: يؤدى المرء زكاة الفطر عن عبده اليهودى و النصرانى و كل من أغلق عليه بابه و يؤدى المرء زكاة الفطر عن رفيق امرأته إذا كانوا فى عياله و تؤدى هى عنهم إذا لم يكونوا فى عياله و كانوا يعملون فى مالها دونه، و كذلك إن لم يكن لها زوج أدت عن نفسها و عنهم و عن كل من تعول فهذا على حسب ما تقدم ذكره من أن على من كان له عيال عولهم فى الظاهر و الباطن بقدر سعته و استطاعته، و الّذي جاء من ذكر اليهودى و النصرانى هاهنا فإنما يلزم ذلك فى الظاهر لأنهم مال من مال المولى أسقطت عنه زكاتهم فى المال و لزمته فى الفطرة لا على أنهم يصومون و لا يفطرون و كذلك الأطفال فى الظاهر و من لا يجب عليه الصيام و لهم فى الباطن أمثال و قد تقدم ذكر ذلك فإذا‌


[١] سورة الطلاق: ٧.