تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٢

الموجودات موجودة بالرغم من هذا التنافر و هذا التضاد كما أنه لا يفقد شي‌ء منها بوجود ضد و إنما هى كلها تحت الوجود محفوظة، و كل هذا مطابق لنظرية المعلم الثانى بالإبداع التى يقول فيها: «حفظ إدامة غير ذات المبدع» [١] و يقول ابن سينا فى سياق الكلام عن الممكن و الواجب بغيره من الموجودات حديثا يتبين من خلاله معنى دوام الوجود على الموجودات و ذلك بقوله: «أما كون المعلول ممكن الوجود فى نفسه واجب الوجود لغيره فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره» [٢]. و يكاد يقرب ما يذهب إليه الفلاسفة الثلاثة المعلم الثانى و الشيخ الرئيس و حجة العراقين فى هذا الصدد ما ذهب إليه فى العصر الحديث الفيلسوف العالمى ديكارت الّذي يقول: «إذ يوجد من الفعل الّذي يحفظ اللّه به العالم و بين الفعل الّذي خلق به»، و ذلك فيما يعرف فى فلسفته باسم نظرية «الخلق المستمر» [٣]. و الحقيقة فإن الكرمانى قد شارك الفلاسفة المسلمين و تأثر بالبعض منهم و خاصة القائلين بالفلسفة اليونانية و امتاز عنهم بأنه عند ما عرض هذه الفلسفة اتسمت بحوثه بسمات الجدة و الطرافة و الابتكار و كان أسبق إلى الجديد من الفلاسفة الأوربيين المعاصرين و الشرقيين الغابرين، و عليه بالإمكان القول بأن الكرمانى ترك مؤلفات و أنتج أفكارا يجب ألا ينظر إليها بوصفها آراء الإسماعيلية الفكرية فحسب بل آراء فلسفة إسلامية عامة ذات مستوى رفيع تبحث فى جوهر الأشياء و النواحي العقلية بشكل ثابت متقن متين تتجلى فيها العبقرية و النبوغ.

أجل .. قال الكرمانى بالنظم الأفلاطونية الحديثة، و بذل جميع جهوده فى سبيل تطبيق بعض موادها بأسلوبه الفلسفى الكلامى الجذاب. و عمل على إثبات أمر النبوة و الإمامة من الوجهتين الفلسفية و الدينية، و فى هذا نستطيع أن نقرنه بحجة الإسلام الغزالى فى استخدامه نظم الفلاسفة لتأييد التصوف و الباطن، و قد أيد النظرية القائلة بمبدإ التمسك بظاهر الشريعة تمسكا يؤدى إلى العبادة العلمية، و اقتصار هذه العبادة التى يدخل فى ضمنها التأويل و الكلام الفلسفى على الحدود و المأذونين الذين و صلوا إلى مستوى عال فى الفلسفة و العلوم، و كل هذه الظواهر نجدها إذا أمعنا النظر‌


[١] الفارابى- عيون المسائل. ص ٦.

[٢] ابن سينا- الإشارات. ص ٢٤٠.

[٣] ديكارت: مقال عن المنهج- القسم الخامس، و مبادي الفلسفة- فقرة ٢١.