تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢١

المكلفين بإدارة شئون الدعوة الإمامية الإذاعية الفكرية فى العالم، ثم إنه استخدم بعد ذلك كرئيس لدار الحكمة فى القاهرة، و هى المؤسسة الثقافية التى نستطيع أن نقول إنها أول جامعة أنشئت فى العالم.

وفد على القاهرة سنة ٤٠٨ ه‌ بناء على طلب الصادق المأمون «أختكين الضيف» داعى دعاة الدولة الفاطمية فى عهد الحاكم بأمر اللّه عند ما حمى و طيس المعارك الدينية و قامت الدعوات الجديدة و راج سوق البدع التى كانت تهدف إلى الغلو فى القول بألوهية الحاكم بأمر اللّه، فألقى الدروس و المحاضرات فى دار الحكمة و قاوم الدعوات الجديدة التى تتنافى و مبادئ الفاطميين الأساسية، و وضع كثيرا من البحوث و الكتب أشهرها «الرسالة الواعظة» فى الرد على الحسن الفرغانى القائل بتأليه الحاكم بأمر اللّه، و رسالة «البشارات» و المصابيح .. و قد تمكن فيهما من إثبات الإمامة كواقع كونى لا بد منه، و ذلك ببراهين معقولة و حجج دامغة جاءت زاخرة بالتعابير العبرية و السريانية و الفارسية مأخوذة من كتب الأنبياء النطقاء السماوية، ثم إنه اتخذ الآراء الأفلاطونية أساسا لبحوثه فذكرها بمهارة لم يسبقه إليها أحد، و قد جاءت جميعها كدعوة عامة لتوطيد النظام الفكرى الفلسفى و رفع مستواه، و محو أى أثر للشك و الجدل و الارتياب و النقاش.

و مهما يكن من أمر ففى هذا البحث الوجيز لن أحاول تقديم الفيلسوف الكرمانى كداع من دعاة الإسماعيلية الذين لعبوا دورا هامّا فى مجال الفكر على عهد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر اللّه، أو من الفلاسفة الذين خدموا الدعوة الفاطمية خدمات فكرية جلى، بل أقدمه كفيلسوف من فلاسفة العالم صال وجال على مسرح الفلسفة الكونية و عمل كل ما فى وسعه لإيجاد مدرسة فلسفية ترتكز على أسس عقلية جديدة بالنسبة لعصره، و على نظريات وحدة الوجود التى يقول فيها المعلم الثانى و الشيخ الرئيس ابن سينا مع توسع بالشرح و خروج عن المنهاج العام الموضوع لدعاة الإسماعيلية و من قد سبقوه أو عاصروه و هم الذين كانوا مجبرين على السير وفق قواعد عامة مدروسة لا يمكن تخطيها أو اجتياز حدودها. و من الرجوع إلى مؤلفات الكرمانى و التمعن فى قراءاتها، و تحليل ما فيها نراه قد اعتنق النظرية القائلة بأن بين الموجودات تضادّا و تنافرا و أنها محاولة من جانب بعضها لمحو البعض الآخر، و أن هذه‌